صينية سان جيمس.. حكاية معلم من «خرطوم زمان»

في ذاكرة الخرطوم القديمة أسماء كثيرة لم تعد موجودة على خارطة المدينة بالشكل الذي عرفه الآباء والأجداد، لكنها ما زالت حاضرة في أحاديثهم وذكرياتهم. ومن بين تلك الأسماء «صينية سان جيمس»، التي كانت واحدة من العلامات المميزة لوسط الخرطوم.

لم تكن صينية سان جيمس مجرد نقطة لتوزيع حركة المرور، بل كانت اسماً يعرفه أهل الخرطوم جيداً، ويستخدمونه للدلالة على منطقة تجارية وحيوية كانت تجمع بين الأسواق والمطاعم والمقاهي وأماكن الترفيه.

أين كانت صينية سان جيمس؟

كانت الصينية في منطقة وسط الخرطوم القديمة، بالقرب من شارع الجمهورية والسوق الأفرنجي، في منطقة كانت من أكثر مناطق العاصمة حركة ونشاطاً.

وكانت المنطقة المحيطة بها تضم عدداً من المعالم والمحلات المعروفة، وأصبحت الصينية نفسها علامة مكانية يهتدي بها سكان الخرطوم والزوار.

وبحسب مصادر عن تخطيط الخرطوم القديمة، ارتبط موقعها بالجهة الشرقية من نطاق السوق الأفرنجي، بينما كانت مناطق مثل ميدان أبو جنزير والمحطة الوسطى وشارع الجمهورية تشكل أجزاء مهمة من المشهد العمراني المحيط بها.

من أين جاء اسم «سان جيمس»؟

ارتبط الاسم بمنشأة عرفت باسم سانت جيمس، وكانت من الأماكن الترفيهية المعروفة في الخرطوم خلال عقود سابقة.

ومع مرور الوقت انتقل الاسم من المكان نفسه إلى المنطقة المحيطة به، وأصبح الناس يقولون «صينية سان جيمس» للدلالة على الموقع.

وهذه ظاهرة مألوفة في الخرطوم القديمة؛ فكثير من الأماكن اكتسبت أسماءها من فندق أو مطعم أو متجر أو مبنى أصبح علامة يعرفها الناس.

السوق الأفرنجي

كانت صينية سان جيمس قريبة من السوق الأفرنجي، أحد أشهر الأسواق القديمة في الخرطوم.

وكان السوق منطقة تجارية متعددة الثقافات، عمل فيها تجار من جنسيات وخلفيات مختلفة، ومن بينهم الشوام والأغاريق والأرمن وغيرهم، قبل أن تتوسع الأنشطة التجارية وتتغير طبيعة السوق مع مرور الزمن.

وكان المتسوق يستطيع أن يجد في تلك المنطقة الملابس والأحذية والأدوات المنزلية والمطاعم والمقاهي وغيرها من الأنشطة التي جعلت وسط الخرطوم مكاناً نابضاً بالحياة.

معالم ارتبطت بالمنطقة

ارتبطت ذاكرة المنطقة بعدد من الأماكن التي يعرفها أبناء الخرطوم القديمة، ومن بينها:

مطعم بابا كوستا، محلات جنبيرت للأواني المنزلية، شركة باتا للأحذية، مقهى أتنيه، فندق صحاري، وميدان أبو جنزير، إضافة إلى المحطة الوسطى والسوق الأفرنجي.

وكانت هذه الأماكن تشكل معاً مشهداً حضرياً مميزاً لوسط الخرطوم.

سان جيمس وخرطوم الستينيات والسبعينيات

عند الاستماع إلى ذكريات أبناء الخرطوم عن الستينيات والسبعينيات، تظهر منطقة سان جيمس باعتبارها واحدة من الأماكن التي ارتبطت بالحياة التجارية والترفيهية في العاصمة.

كانت المطاعم والمقاهي وأماكن الموسيقى والترفيه تستقطب الناس، بينما كانت حركة المواصلات والمتسوقين تجعل المنطقة حيوية معظم ساعات اليوم.

ولهذا لم يكن اسم سان جيمس مجرد اسم لموقع جغرافي، وإنما أصبح جزءاً من ذاكرة جيل كامل عاش تفاصيل الخرطوم في تلك الفترة.

عندما تغيرت الخرطوم

مع توسع العاصمة وتغير شبكة الطرق، اختفت كثير من المعالم القديمة أو تغيرت أشكالها.

ومن بينها صينية سان جيمس نفسها، التي لم تعد موجودة بالصورة التي عرفها أهل الخرطوم قديماً، وتحول موقعها إلى تقاطع طرق.

لكن اختفاء الصينية لم يمحُ اسمها من الذاكرة.

فما زال كثير من أبناء الخرطوم عندما يتحدثون عن وسط المدينة القديم يستحضرون «سان جيمس»، كما يستحضرون السوق الأفرنجي وأبو جنزير والمحطة الوسطى وبابا كوستا وغيرها من الأسماء التي صنعت جغرافية الخرطوم الشعبية.

ليست صينية فقط

أهمية صينية سان جيمس الحقيقية لا تكمن في شكلها الهندسي أو وظيفتها المرورية، وإنما في أنها كانت علامة من علامات مدينة تغيرت كثيراً.

فالمدينة لا يحفظها الناس بالشوارع والأرقام فقط؛ بل يحفظونها بأسماء الأماكن التي عاشوا حولها، والمتاجر التي اشتروا منها، والمطاعم التي جلسوا فيها، والمقاهي التي التقوا فيها بأصدقائهم.

ولهذا بقي اسم سان جيمس حياً حتى بعد أن تغير المكان.

خاتمة

كانت صينية سان جيمس جزءاً من وجه الخرطوم القديم، وواحدة من العلامات التي تختصر مرحلة من تاريخ العاصمة؛ مرحلة كانت فيها وسط الخرطوم ملتقى للتجارة والثقافة والمقاهي والمطاعم وأماكن الترفيه.

ومع تغير المدينة واختفاء كثير من معالمها القديمة، بقيت أسماء تلك الأماكن شاهدة على زمن مضى.

وربما لهذا السبب، عندما يقول أحد أبناء الخرطوم القدامى:

«أتذكر صينية سان جيمس…»

فهو لا يتذكر صينية في شارع فقط، وإنما يستعيد خرطوماً كاملةً كما كانت ذات يوم.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *