
التصدي للإدمان الرقمي لدى الشباب

عبد الغني نعمان
مستشار
الأستاذ المستشار نعمان عبد الغني
أصبح الإدمان الرقمي لدى الشباب، والمتمثل في الاستخدام المفرط والقهري للأجهزة الرقمية، كالهواتف الذكية والحواسيب ومنصات التواصل الاجتماعي، مصدر قلق عالمي لما يخلّفه من آثار صحية ونفسية واجتماعية متزايدة. ويُعد مصطلح «الإدمان الرقمي» مفهومًا شاملاً يضم مختلف أنماط الاعتماد المفرط على التقنيات الرقمية، ويستدعي اهتمامًا متزايدًا من الباحثين وصناع القرار.
لقد أصبحت التكنولوجيا في عالمنا المعاصر جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث دخلت الأجهزة الذكية والإنترنت في مختلف مجالات الحياة، من التعليم والعمل إلى الترفيه والتواصل الاجتماعي. ومع هذا التطور المتسارع والانتشار الواسع للتقنيات الرقمية، برز الإدمان الرقمي كأحد أبرز التحديات التي تهدد صحة الأفراد وتماسك المجتمع.
ويُعرَّف الإدمان الرقمي بأنه حالة من الاعتماد المفرط على الأجهزة الإلكترونية وخدمات الإنترنت، بحيث يقضي الفرد ساعات طويلة أمام الشاشات، على حساب مسؤولياته الأسرية والدراسية والمهنية ومتطلبات حياته اليومية. ولا يقتصر أثر هذا السلوك على إهدار الوقت فحسب، بل يمتد ليؤثر سلبًا في الصحة النفسية والجسدية، إذ يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والتوتر، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، إلى جانب زيادة الوزن وآلام الرقبة والظهر وإجهاد العينين.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن الإفراط في استخدام الوسائط الرقمية قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، وضعف العلاقات الأسرية والإنسانية، وتراجع مهارات التواصل المباشر، وانخفاض مستوى الإنتاجية والتحصيل الدراسي والمهني.
لقد أصبحت هذه الأجهزة الصغيرة تستحوذ على جزء كبير من وقت الشباب، وتشتت انتباههم، وتقتحم خصوصيتهم، حتى بات كثير من المراهقين والشباب يجدون صعوبة في الابتعاد عنها لساعات قليلة، في ظاهرة يصفها بعض الباحثين بـ**«العبودية الطوعية للتكنولوجيا»**.
وتشير بعض الدراسات والإحصاءات الوطنية إلى ارتفاع معدلات استخدام الهواتف الذكية بين فئة الشباب، حيث يقضي كثير منهم ما بين خمس وسبع ساعات يوميًا على تطبيقات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. ويرتبط هذا الاستخدام المكثف بزيادة حالات القلق والأرق، وضعف التركيز، وتراجع الأداء الدراسي، وانخفاض مستوى التفاعل الاجتماعي الواقعي، الأمر الذي ينذر بتحديات اجتماعية ونفسية متنامية.
ومن هنا تبرز أهمية التصدي للإدمان الرقمي من خلال تبني استراتيجية متكاملة تشارك فيها الأسرة، والمؤسسات التربوية، والجامعات، ووسائل الإعلام، والهيئات الصحية، بهدف ترسيخ ثقافة الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، وتعزيز الوعي بالمخاطر المرتبطة بالإفراط في استخدامها.
وتتمثل أبرز أهداف مكافحة الإدمان الرقمي في:
حماية الصحة النفسية والجسدية من الآثار السلبية للاستخدام المفرط للشاشات.
- الحد من القلق والتوتر والاكتئاب واضطرابات النوم المرتبطة بالإفراط في استخدام الوسائط الرقمية.
- استعادة التوازن في كيمياء الدماغ والحد من الاعتماد المفرط على محفزات الدوبامين الناتجة عن الاستخدام المستمر للتطبيقات الرقمية.
- تعزيز العلاقات الأسرية والاجتماعية، والحد من مظاهر العزلة والانطواء.
- رفع مستوى التركيز والانتباه، وتحسين التحصيل الدراسي والإنتاجية في العمل.
- ترشيد استثمار الوقت، وتشجيع ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والتطوعية، بما يسهم في بناء شخصية متوازنة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع.
إن التصدي للإدمان الرقمي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة تربوية وصحية ومجتمعية، تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة. فالتكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان وتنمية قدراته، وليست غاية تستحوذ على وقته وتحد من تواصله الإنساني. ومن ثم، فإن الاستخدام الواعي والمتوازن للتقنيات الحديثة يمثل السبيل الأمثل للاستفادة من مزاياها، مع تجنب آثارها السلبية، وبناء جيل رقمي يتمتع بالصحة النفسية، والإنتاجية، والمسؤولية الاجتماعية.