
أتني.. حكاية أشهر مقهى وساحة في قلب الخرطوم
في قلب الخرطوم القديمة، عند تقاطع شارع الجمهورية مع شارع القصر، وبالقرب من القصر الجمهوري، كان هناك مكان ارتبط اسمه بذاكرة أجيال من أهل الخرطوم: أتني.
لم يكن أتني مجرد مقهى، بل كان حكاية طويلة بدأت بالتجارة والجالية اليونانية، ثم تحولت إلى ملتقى اجتماعي، وبعدها إلى واحدة من أشهر الساحات الثقافية في الخرطوم.
من أين بدأت الحكاية؟
يرتبط أصل أتني بالوجود اليوناني في السودان، وتختلف الروايات حول تاريخ البداية الأولى للمكان، إلا أن إحدى الروايات الأكثر تحديدًا تذكر أن اليوناني جورج فالفس افتتح مقهى أتني في مارس عام ١٩٥٨م، داخل عمارة أبو العلا.
وكان فالفس من الشخصيات المعروفة في الجالية اليونانية بالخرطوم، كما ارتبط اسمه بالأعمال والتجارة.
اختير اسم «أتني» نسبة إلى أثينا، عاصمة اليونان، ليحمل المقهى منذ بدايته طابعًا أوروبيًا مختلفًا عن المقاهي السودانية التقليدية.
ماذا كان يقدم أتني؟
في بداياته كان أتني مقهى ومطعمًا بطابع حديث بالنسبة إلى الخرطوم في ذلك الزمن.
كان يقدم القهوة والشاي والمشروبات والمأكولات الخفيفة والوجبات السريعة، واشتهر بأطعمة ذات طابع غربي، من بينها السندويتشات والمرتديلا والهوت دوغ وغيرها.
وكانت هذه الأطعمة وطريقة تقديمها جزءًا من خصوصية المكان، خصوصًا أن أتني كان يقع في منطقة تجارية ودبلوماسية مهمة من وسط الخرطوم.
فكان رواده من التجار والموظفين، والعاملين في الشركات، والدبلوماسيين والأجانب، إلى جانب المثقفين والفنانين.
من امتلك أتني بعد جورج فالفس؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تختلف فيها الروايات التاريخية.
تذكر إحدى الروايات أن ملكية المقهى انتقلت بعد سنوات إلى محمد سليمان وشقيقه قسم السيد، ثم انتقلت في أواخر عام ١٩٧٦م إلى عبد الماجد عثمان الجابري.
أما أسماء بعض الملاك الذين مروا بين هذه المراحل فتوجد بشأنها روايات متعارضة في المصادر، ولذلك من الأفضل عدم اعتبار جميع الأسماء المتداولة حقيقة نهائية قبل الرجوع إلى سجلات الملكية والسجل التجاري.
لكن المؤكد من الشهادات المنشورة أن عبد الماجد عثمان الجابري كان من المالكين المعروفين للمكان في مرحلة لاحقة، وظل اسم أتني مرتبطًا به لسنوات.
من المقهى إلى ملتقى الخرطوم
مع مرور الوقت، تغيرت وظيفة أتني.
لم يعد الناس يذهبون إليه من أجل الطعام والشراب فقط؛ بل أصبح المكان ملتقى اجتماعيًا وثقافيًا.
كان بإمكانك أن تجد فيه التاجر بجوار الموظف، والفنان بجوار الصحفي، والمثقف بجوار الطالب، والسوداني بجوار الأجنبي.
وكان موقعه في قلب الخرطوم سببًا مهمًا في هذه الشهرة؛ فهو قريب من الشركات والمكاتب والسفارات والمؤسسات الحكومية، ولذلك كان دائم الحركة.
وتحفظ الذاكرة الشعبية للمكان ارتباطه بعدد من الشعراء والفنانين والأدباء، وأصبح اسم أتني جزءًا من تاريخ الحياة الثقافية في الخرطوم.
عمارة أبو العلا وساحة أتني
لكن الحكاية لم تتوقف عند المقهى.
كانت عمارة أبو العلا من المباني الحديثة واللافتة في وسط الخرطوم، وكان داخل العقار فراغ مفتوح بين أجزاء المبنى
ومع مرور السنوات أصبح هذا الفراغ معروفًا باسم ساحة أتني.
وهنا حدث التحول الأكبر:
أتني لم تعد اسم مقهى فقط، وإنما أصبحت اسمًا لمكان كامل.
تحولت الساحة إلى فضاء مفتوح للقاءات والحوارات والأنشطة الثقافية، وأصبحت جزءًا من المشهد الثقافي للخرطوم.
أتني والكتب والفن
في السنوات الأخيرة من عمرها الثقافي، أصبحت الساحة مرتبطة بالكتاب والشعر والفن.
ومن أشهر الأنشطة التي احتضنتها معرض «مفروش» للكتب المستعملة، الذي جمع الكتب القديمة والمستعملة والنادرة، وجذب القراء والطلاب والكتاب والمثقفين.
كما ارتبط المكان بالمعارض الفنية، والندوات، والقراءات الشعرية، واللقاءات غير الرسمية.
وهكذا أصبح أتني بالنسبة إلى كثير من الناس مكانًا يمكن أن تذهب إليه بحثًا عن كتاب، أو لمقابلة شاعر، أو الاستماع إلى نقاش ثقافي، أو ببساطة الجلوس مع الأصدقاء.
هل كانت ساحة عامة؟
رغم أن أتني أصبحت في الوعي العام وكأنها ساحة عامة، فإن الحقيقة أن العقار كان ملكية خاصة مرتبطة بعائلة أبو العلا.
وهذه نقطة مهمة في تاريخ المكان.
فوظيفة أتني الاجتماعية والثقافية كانت عامة تقريبًا، لكن ملكيتها القانونية لم تكن كذلك.
ولهذا استطاع الملاك في عام ٢٠٢١م إيقاف الأنشطة والتجمعات في الساحة، ووضع حد لمرحلة طويلة من استخدامها الثقافي.
أتني والحرب
ثم جاءت الحرب في السودان في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م.
توقفت الحياة في قلب الخرطوم، وتحولت الشوارع والمباني التي كانت تعج بالناس إلى مناطق حرب ودمار. ولم تكن أتني استثناءً.
فقد تعرض المكان والمنطقة المحيطة به للخراب والدمار، وأصبح أتني الذي عرفه الناس بالكتب والقهوة والفن والشعر مجرد ذكرى لمكان كان يومًا نابضًا بالحياة.
من جورج فالفس إلى الحرب…
إذا أردنا أن نختصر رحلة أتني في كلمات قليلة، فيمكن القول إنها مرت بعدة حيوات:
مقهى يوناني بدأ في قلب الخرطوم الحديثة،
ثم مطعم ومكان للقاء التجار والموظفين والدبلوماسيين،
ثم ملتقى للفنانين والمثقفين،
ثم ساحة للكتب والشعر والفنون،
ثم أُغلقت أنشطتها،
وأخيرًا أصابتها الحرب والدمار.
ومع ذلك، فإن أتني ليست مجرد مبنى أو مقهى انتهى.
فمن عاش الخرطوم القديمة يعرف أن بعض الأماكن كانت أكبر من جدرانها؛ كانت تصنع العلاقات والذكريات، وتحفظ تفاصيل مدينة كاملة.
أتني كانت واحدة من تلك الأماكن.
كانت هناك قهوة تُشرب، وكتاب يُباع، وشعر يُقرأ، وأغنية تُناقش، وصداقات تُولد، وأحاديث تمتد حتى المساء.
ولهذا، عندما نتحدث عن أتني اليوم، فإننا لا نتحدث عن مقهى قديم في شارع الجمهورية فقط، بل نتحدث عن جزء من ذاكرة الخرطوم الاجتماعية والثقافية.
رحلت أتني من المكان، لكن اسمها بقي في ذاكرة المدينة.
