انهيار التحالف الإعلامي بين سكاي البريطانية و”سكاي نيوز عربية”

تحليل لأبعاد الانفصال ومسؤوليات الإعلام في حرب السودان

في خطوة تُعدّ من أهم التحولات في المشهد الإعلامي الدولي خلال السنوات الأخيرة، قررت مؤسسة سكاي نيوز البريطانية إنهاء شراكتها مع قناة سكاي نيوز عربية الإماراتية وسحب ترخيص استخدام علامتها التجارية اعتباراً من العام المقبل، بعد سلسلة من الاتهامات الخطيرة للقناة الإماراتية بتلميع جرائم مليشيا الدعم السريع في السودان وإنكار الفظائع التي وثقتها صور الأقمار الصناعية وتقارير الأمم المتحدة. هذا القرار، الذي جاء بعد إخطار رسمي لشركة IMI الإماراتية المالكة للقناة، لم يكن حدثاً مهنياً فحسب، بل كان تعبيراً عن تصدع عميق في العلاقة بين الإعلام والسلطة السياسية، خصوصاً حين يُستغل الإعلام لتوجيه السردية في نزاع دموي مثل الحرب السودانية. [yahoo.com], [newarab.com]

لقد كشفت التقارير البريطانية أنّ تغطية سكاي نيوز عربية للحرب في السودان لم تكن مجرد انحياز، بل كانت تمثل—وفق استخبارات غربية—شقاً من النفوذ الإعلامي الإماراتي الذي يدعم مليشيا الدعم السريع عسكرياً وسياسياً ولوجستياً. وقد تصاعدت الاتهامات حين أرسلت القناة مراسلتها تسابيح مبارك خاطر إلى موقع مجزرة الفاشر، رغم كونها زوجة مسؤول رفيع في “الحكومة الموازية” التابعة للدعم السريع، وظهرت في مقطع مصور وهي تعانق إحدى القائدات في المليشيا، والتي سبق أن دعت مقاتليها إلى اغتصاب نساء دارفور. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ قدمت خاطر تقارير تزعم عدم وجود أي أدلة على الفظائع رغم وضوح صور الأقمار الصناعية واعترافات الناجين، بل وصفت بعض التقارير بالصناعة الإعلامية “المُلفّقة”. هذا المشهد شكّل انتهاكاً أخلاقياً واضحاً، وخرقاً لجوهر العمل الصحفي الذي يقوم على الاستقلالية، وعدم تضارب المصالح، واحترام الحقيقة. [newarab.com]

من الناحية القانونية، يعكس قرار سكاي البريطانية إدراكاً متزايداً بأنّ استمرار الشراكة مع القناة الإماراتية قد يرتب مسؤوليات جنائية أو مدنية، إذ إنّ الترويج لإنكار الإبادة الجماعية—سواء بشكل مباشر أو غير مباشر—قد يضع المؤسسات الإعلامية تحت المساءلة بموجب قوانين مكافحة التحريض وخطاب الكراهية. وتخضع سكاي البريطانية للوائح صارمة تفرضها هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم)، ما يجعل ارتباط اسمها بقناة تتهم بتبييض جرائم حرب مخاطرة قانونية لا يمكن تجاهلها. وقد أتمت سكاي بالفعل الإجراءات القانونية لسحب الترخيص وأبلغت الطرف الإماراتي بذلك، رغم استمرار قنوات التواصل واحتمال التوصل إلى تسوية تحفظ ماء الوجه للطرفين. [yahoo.com]

أما الإمارات، التي تتعرض لاتهامات دولية متزايدة بدعم مليشيا الدعم السريع، فتواجه هي الأخرى مسؤوليات محتملة، إذ إنّ استخدام القنوات الإعلامية للتضليل خلال نزاع مسلح قد يصنف كـ”تواطؤ إعلامي” في جرائم حرب إذا ثبت وجود علاقة مباشرة بين التمويل والتوجيه التحريري والانحياز المتعمد. وقد سبق للحكومة السودانية أن حظرت بث القناة داخل السودان في ٢٠٢٤، متهمةً إياها بالعمل كأداة استخباراتية لصالح الدعم السريع والتحريض على استهداف مواقع معينة. هذه الخلفية تعزز صحة المخاوف التي دفعت سكاي البريطانية لإعادة تقييم الشراكة. [alestiklal.net]

ويتجاوز هذا الملف حدود الجانب المهني ليطرح سؤالاً أكبر حول ماهية الإعلام ودوره في أوقات الأزمات؛ فالإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو شريك—قد يكون مؤثراً أو مدمراً—في رسم الوعي العام، ويمكن أن يتحول من قوة تراقب السلطة إلى أداة تخدم مصالحها، خصوصاً حين يرتبط التمويل بالقرار التحريري كما في حالة سكاي نيوز عربية، المرتبطة بشبكة مصالح تقودها الدولة الإماراتية وتظهر بوضوح في صفقات الإعلام والسياسة، كما كشفت محاولات IMI الاستحواذ على صحيفة ذا تليغراف في ٢٠٢٣. [yahoo.com]

أما على مستوى المسؤولية الأخلاقية، فإنّ قضية تسابيح مبارك أصبحت مثالاً صارخاً على انهيار الخط الفاصل بين الصحفي والفاعل السياسي. فالمراسلة لا تتحمل وحدها عبء الانحياز المهني، بل تتحمله المؤسسة التي سمحت بإرسال مراسلة ذات ارتباط مباشر بطرف مقاتل في حرب أهلية، وهو ما يشكل إخلالاً واضحاً بمبدأ تجنب تضارب المصالح، واعتداءً على حق الجمهور في الحصول على تغطية مستقلة ونزيهة. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة فتح النقاش حول المعايير الأخلاقية للمؤسسات الإعلامية العاملة في مناطق النزاع، وحدود العلاقة بين الإعلام والتمويل السياسي، وتأثير ذلك على العدالة والحق في الحقيقة.

إنّ الانفصال بين سكاي البريطانية وسكاي نيوز عربية لم يكن مجرد نهاية شراكة تجارية، بل كان إعلاناً صريحاً بأنّ الإعلام حين يتحول إلى ذراع سياسية، فإنه يفقد شرعيته المهنية، بل وقد يتورط في سياقات قانونية خطيرة تتعلق بإنكار جرائم الحرب وتبييض الإبادة الجماعية. ولعلّ الأهم من ذلك، أن الأزمة فتحت الباب مجدداً لسؤال كبير: من يحاسب الإعلام حين يتحول إلى جزء من آلة الحرب؟ وهل يمكن أن تستعيد المؤسسات الإعلامية مصداقيتها إذا تداخلت مصالحها مع مصالح أطراف متورطة في نزاع يرقى لجرائم ضد الإنسانية؟

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *