
شبكة الظلال
كيف اخترقت الاستخبارات الإسرائيلية السودان في ستينيات القرن الماضي؟
في عام ١٩٦٤، كانت الخرطوم على موعد مع واحدة من أعقد القضايا في تاريخها الأمني، حين تكشّفت تفاصيل محاكمة ضابط سوداني بتهمة قيادة شبكة تجسس تعمل لصالح إسرائيل. بدأت فصول القضية عند اعتقال الضابط الصاغ عباس جمال الدين في القاهرة في مايو ١٩٦٣، قبل أن يُسلَّم إلى السودان لمحاكمته بعد الاشتباه في ارتباطه بخلية واسعة الامتداد ترتبط بنشاط إسرائيلي سري في المنطقة. وقد كشفت التحقيقات لاحقاً أن عملية التجنيد تمت عبر شخصية إريترية بارزة هي عثمان إبراهيم العجيل، عضو البرلمان الإريتري، الذي كان واجهة استخباراتية مهمة في شرق إفريقيا، خاصة في مدينة أسمرة التي كانت مركزاً حيوياً للعمليات الإسرائيلية وفق الدراسات الأكاديمية حول العلاقات بين إسرائيل والسودان خلال الفترة بين ١٩٥٤–١٩٦٤.مصدر
خضع الصاغ عباس في أسمرة لتدريبات استخباراتية متقدمة شملت استخدام الحبر السري، تصوير الوثائق الحساسة، إخفاء المعلومات، وأساليب تجنيد العملاء المحليين. وبعد عودته إلى الخرطوم، تمكن من إنشاء شبكة مكوّنة من ٦ عملاء سودانيين، تلقى معظمهم تدريبات مماثلة في أسمرة مقابل مبالغ مالية وصلت إلى ٨٠٠٠ جنيه إسترليني—وهو مبلغ كبير بمعايير تلك الحقبة. وتشير التقارير الأرشيفية من وكالة التلغراف اليهودية إلى أنّ الضابط كان حلقة وصل بين خلايا تعمل بين القاهرة وأسمرة، تنقل معلومات دقيقة ومهمة حول نشاطات مصر والسودان، قبل أن يتم إسقاطه ومحاكمته عسكرياً في الخرطوم عام ١٩٦٤، حيث صدر بحقه حكم بالسجن ٩ سنوات.مصدر
لكن التحول الأكبر في القضية لم يكن القبض على الضابط فحسب، بل الدور الحاسم الذي لعبه إسماعيل صبري، العميل المزدوج الذي أسقط الشبكة. كان صبري—المولود في القاهرة عام ١٩٢٥—ضابطاً سابقاً في سلاح المهندسين السوداني، وقد تمكن من اختراق الشبكة بعد محاولة تجنيده من قبل تاجر يهودي يُدعى إبراهيم منشا مقابل ٣٠ جنيهاً شهرياً. رفض صبري العرض، وبدلاً من ذلك تواصل مع المخابرات العربية التي وجّهته للعمل كعميل مزدوج لمدة ٤ سنوات كاملة، حيث واصل التواصل مع الشبكة وتزويدها بمعلومات مُراقبة إلى أن اكتملت الصورة لدى الأجهزة الأمنية، وتم إسقاط كامل الخلية.مصدر
تأتي القضية ضمن سياق إقليمي معقد، إذ كانت إسرائيل خلال الفترة بين ١٩٥٤–١٩٦٤ تنفذ استراتيجية تُعرف بـ”تحالف الأطراف” أو Periphery Alliance، التي سعت من خلالها لبناء علاقات مع دول غير عربية على أطراف العالم العربي، مثل إثيوبيا وتركيا وإيران، بهدف تقويض النفوذ المصري في المنطقة، خصوصاً خلال صعود الرئيس جمال عبد الناصر. وقد وثقت دراسات أكاديمية عدداً من الاتصالات السرية بين إسرائيل وشخصيات سودانية خلال تلك المرحلة، استهدفت التأثير على المشهد السياسي والاقتصادي داخل السودان.مصدر
وكان السودان حينها يعيش حالة من توتر داخلي كبير، خصوصاً قبيل ثورة أكتوبر ١٩٦٤ التي أنهت حكم الفريق إبراهيم عبود. وتشير شهادات دبلوماسية من تلك الحقبة، مثل تقارير Association for Diplomatic Studies & Training، إلى أنّ واشنطن كانت تنظر إلى السودان كبلد “هادئ” رغم أنّ الأرض كانت تغلي من الداخل، وأن هذا الاضطراب خلق بيئة مناسبة للتدخلات الأجنبية، بما فيها نشاطات استخبارية معقدة كالشبكة الإسرائيلية التي تم كشفها.مصدر
وبذلك، فإن حادثة شبكة التجسس الإسرائيلية في الخرطوم لا يمكن النظر إليها كمجرد واقعة جنائية أو سياسية، بل كجزء من صراع أكبر امتد لسنوات بين القوى الإقليمية والدولية، استخدمت فيه أدوات الاختراق والتجنيد والعملاء المزدوجون ضمن لعبة شطرنج استخباراتية معقدة. وما بين الخرطوم وأسمرة والقاهرة، تكشف هذه الشبكة عن حجم التنافس، وحساسية موقع السودان، وكيف كان مسرحاً لصراع الاستخبارات في ذروة الحرب الباردة.
