
إتهام بمؤامرة انقلاب وطرد دبلوماسيين أمريكيين
في صباح يوم ٢٢ يوليو ١٩٦٩ انفجرت في الخرطوم أزمة دبلوماسية غير مسبوقة حين أعلنت الحكومة السودانية اليسارية الجديدة، التي لم يمضِ على وصولها إلى السلطة سوى شهرين عقب انقلاب ٢٥ مايو ١٩٦٩ بقيادة العقيد جعفر نميري، أنها قامت بطرد عدد غير محدد من الدبلوماسيين الأمريكيين بتهمة التورط المباشر في مؤامرة انقلابية تهدف إلى إسقاط النظام الوليد. وجاء هذا التصعيد في ظل مناخ إقليمي تسيطر عليه الحرب الباردة وتنافس القوى الكبرى على إفريقيا، مع ارتباط داخلي بصراعات سياسية عميقة داخل السودان نفسه، حيث جاء انقلاب مايو كحلقة ضمن سلسلة طويلة من الانقلابات ومحاولات الانقلاب التي تشهدها البلاد منذ الاستقلال عام ١٩٥٦. وقد أوضحت السجلات التاريخية لتلك الفترة الخلفية المعقدة للتحولات السياسية في السودان، خاصة أن انقلاب ١٩٦٩ فتح الباب أمام توجه يساري–قومي مستوحى من التجربة الناصرية، ما أثار حفيظة الولايات المتحدة وقوى غربية كانت ترى في صعود نميري تهديداً لتوازن النفوذ في المنطقة. [London is…ies – guys | HTML]
وجاءت تفاصيل الاتهام حين بثت إذاعة أم درمان بياناً حكومياً يوم الأحد، أكدت فيه الخرطوم أنها أحبطت مؤامرة انقلابية يوم الثلاثاء السابق، وأن دبلوماسيين أمريكيين كانوا على صلة مباشرة بالتحضير لها. وفي مؤتمر صحفي، أعلن وزير الداخلية فاروق عثمان حمد الله أن الدبلوماسيين المتورطين وعدوا بتقديم دعم لوجستي لمجموعة تضم ٣٣ مشاركاً في المؤامرة، بما في ذلك دعم جوي كان من المفترض أن ينطلق من قاعدة موجودة في دولة مجاورة يُعتقد أنها إثيوبيا. غير أن هذا الدعم لم يصل لأن الدبلوماسيين الأمريكيين في الخرطوم علموا بأن المحاولة قد أُحبِطت قبل تحرك الطائرات. وتكتسب هذه الاتهامات خطورتها من واقع أن السودان كان قد قطع علاقاته مع الولايات المتحدة منذ حرب يونيو ١٩٦٧، وأن السفارة الهولندية كانت تتولى رعاية المصالح الأمريكية منذ ذلك الوقت، وهو ما جعل الوجود الأمريكي في الخرطوم محدوداً ومنخفض المستوى، وهي ظروف جعلت أي تحرك أميركي يبدو أكثر حساسية ومثار شكوك. وقد أكدت الخارجية الأمريكية في واشنطن أن تمثيلها الدبلوماسي غير المباشر خُفِّض من ١٦ عضواً إلى ١٣ قبل ثلاثة أسابيع فقط من الحادثة، دون وجود اتهامات رسمية حينها، لكن تلميحات الاتهام سرعان ما ظهرت مع انفجار القضية.
ولا يمكن فهم هذه الحادثة بمعزل عن السياق السياسي العريض للسودان في تلك الحقبة، إذ أن نظام نميري في شهوره الأولى كان يتخذ خطوات جذرية نحو تبني اشتراكية شاملة، تشمل التأميم الواسع للقطاعات الاقتصادية والسعي لإعادة هيكلة المجتمع والدولة على أسس قومية–يسارية. وقد أوضحت الدراسات التاريخية عن انقلاب ١٩٦٩ أن النظام الجديد كان يرى نفسه امتداداً للمدّ العروبي آنذاك، متبنياً مشروعاً سياسياً قريباً من التجربة الناصرية في مصر وحركات البعث في سوريا والعراق، وهي خلفيات جعلت النظام ينظر إلى الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، باعتباره طرفاً متآمراً على المشروع الجديد أو داعماً للقوى المعارضة داخلياً، وخاصة القوى الحزبية التقليدية التي أطاح بها انقلاب مايو.[London is…ies – guys | HTML]
وعلى الجانب الآخر، تظهر وثائق وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن كانت تعيد تقييم علاقتها بالسودان في ضوء التغيرات السريعة التي شهدتها البلاد منذ ١٩٦٩، وكانت ترى في السودان موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية في إفريقيا خلال السبعينيات وما بعدها، خصوصاً مع تزايد نفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة. وقد جاء في هذه الوثائق أن الولايات المتحدة كانت تراقب الوضع في السودان بوصفه ساحة محتملة لتنافس نفوذ مع القوى الاشتراكية، وأن استقرار البلاد كان يهمّ واشنطن على المدى الطويل ضمن إطار مصالحها الإقليمية. [Abadri | PowerPoint]
وتشير سجلات العلاقات السودانية‑الأمريكية إلى أن ما بعد ١٩٦٩ كان فترة مليئة بالتوترات والانعطافات الحادة؛ فقد شهدت العلاقات بين الخرطوم وواشنطن مراحل من القطيعة ثم التحسن ثم التدهور مجدداً، مع أحداث جسيمة مثل اغتيال السفير الأمريكي في الخرطوم عام ١٩٧٣، ثم اتساع الفجوة مجدداً في الثمانينيات مع صعود الحركات الإسلامية وتوترات الحرب الباردة. وهذا يعزز أن أزمة طرد الدبلوماسيين عام ١٩٦٩ لم تكن حالة منعزلة، بل جزءاً من مسار طويل من الشكوك المتبادلة والصراعات الاستخباراتية والضغوط السياسية التي جعلت السودان نقطة تماس متقدمة بين التيارات اليسارية والقومية من جهة، والنفوذ الأمريكي من جهة أخرى. [rahs-open-lid.com]