
الإمارات وحرب السودان: الذهب والموانئ والدماء في دارفور
يكشف هذا التحقيق عن الدور المحوري لـ الإمارات في الحرب السودانية عبر دعم مباشر أو غير مباشر لقوات الدعم السريع، من خلال شحنات أسلحة حديثة وارتباطات وثيقة بسوق الذهب السوداني. يوضح المقال كيف ترتبط هذه التحركات بطموحات أبو ظبي الاقتصادية والجيوسياسية في البحر الأحمر، ويستعرض جلسة الكونغرس الأميركي الأخيرة التي سلطت الضوء على خطورة هذا الدعم.
النتيجة: استمرار النزاع في دارفور والخرطوم رهينة لصراع خارجي تغذيه مصالح استراتيجية، فيما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
في ديسمبر الجاري، اجتمع أعضاء لجنة فرعية في الكونغرس الأميركي لمناقشة الوضع في السودان. على الطاولة أمامهم خرائط لطرق تهريب، صور أقمار صناعية لرحلات جوية، وأسماء شركات صغيرة في كندا وأوروبا. لكن الاسم الذي تكرر أكثر من غيره كان: الإمارات العربية المتحدة.
هذا التحقيق يتتبع دور الإمارات في الحرب السودانية، من شحنات الذهب والأسلحة إلى الطموحات الجيوسياسية في البحر الأحمر، ويكشف كيف أصبح الدعم الخارجي عاملاً أساسياً في استمرار النزاع الدموي في دارفور والخرطوم.
الأسلحة في يد الدعم السريع
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل ٢٠٢٣، ظهرت أدلة متزايدة على وصول أسلحة حديثة إلى أيدي المقاتلين رغم الحظر الدولي.
- بنادق قنص كندية وصلت عبر مسارات إعادة تصدير.
- قذائف هاون بلغارية ظهرت في دارفور.
- مركبات مدرعة إماراتية من طراز NIMR شوهدت في الخرطوم والفاشر.
هذه الأدلة تكشف شبكة توريد دولية معقدة، تتجاوز الحظر الأممي وتستفيد من ثغرات في أنظمة الرقابة.
الذهب كمحرك رئيسي
السودان ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا. الإمارات هي أكبر مستورد للذهب السوداني، وتُتهم بأنها مركز رئيسي لاستقبال ذهب مُهرّب من القارة. قوات الدعم السريع تسيطر على جزء كبير من سلسلة استخراج وتصدير الذهب، ما يخلق اعتماداً متبادلاً بينها وبين أبوظبي.
الذهب ليس مجرد مورد اقتصادي، بل أداة نفوذ سياسي ومالي، تجعل من السودان ساحة استراتيجية لأبوظبي.
البحر الأحمر والموانئ
الساحل السوداني يمنح منفذاً لوجستياً حيوياً للتجارة والطاقة. السيطرة على عقدة مينائية أو ممر بري آمن يرسّخ دور الإمارات في المعادلة البحرية، ويمنحها نفوذاً في مواجهة السعودية ومصر.
هذا البعد الجيوسياسي يفسر إصرار الإمارات على ترسيخ نفوذها في السودان، حتى لو كان ذلك عبر دعم طرف عسكري متهم بارتكاب جرائم حرب.
جلسة الكونغرس الأميركي
في جلسة ١١ ديسمبر ٢٠٢٥ بعنوان “إيقاف نزيف الدم”، وجّه نواب أميركيون انتقادات حادة للإمارات، مطالبين بوقف مبيعات السلاح إليها والضغط لتجفيف دعمها للدعم السريع.
مسؤولون من الخارجية الأميركية أكدوا أن “لا يوجد فاعلون صالحون” في الحرب، وأن أولوية واشنطن هي قطع الدعم الخارجي عن الطرفين. هذا الموقف يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الحرب يهدد أمن البحر الأحمر ويخلق بيئة خصبة للإرهاب والجريمة العابرة للحدود.
الإنكار الرسمي
تنفي الإمارات إرسال أسلحة للدعم السريع، وتصف الاتهامات بأنها “استعراض دعائي”. لكن شواهد الرحلات الجوية إلى تشاد، ومسارات تهريب عبر الحدود، وظهور معدات إماراتية الصنع في ساحات القتال، تكسب الاتهامات وزناً تراكمياً يصعب تجاهله.
أكثر من ٨٠ رحلة من الإمارات إلى مطار أمدجراس في تشاد وثّقت خلال عام واحد، مع شهادات تؤكد أن الطائرات تحمل أسلحة ومعدات. ورغم النفي الرسمي، فإن تراكم الأدلة يجعل من الصعب تجاهل الدور الإماراتي.
الأثر الإنساني
تسليح الدعم السريع مكّنه من حصار ودخول الفاشر بعد أكثر من ٥٠٠ يوم من القتال، مع تقارير عن عمليات قتل جماعي واغتصاب ونهب. هذه الانتهاكات دفعت منظمات حقوقية إلى وصف ما يحدث بأنه إبادة جماعية.
اقتصار الحظر الأممي على دارفور منذ ٢٠٠٤ سمح بتدفق أسلحة حديثة إلى السودان ثم تحويلها إلى دارفور. النتيجة كانت كارثة إنسانية: ملايين النازحين، انهيار الخدمات الأساسية، ومجاعة تلوح في الأفق.
السودان كنموذج لحروب الوكلاء
السودان اليوم يمثل نموذجاً صارخاً لـ “حروب الوكلاء” الحديثة: موارد طبيعية ضخمة، موقع استراتيجي، ونزاع داخلي تغذيه قوى خارجية. بالنسبة للإمارات، الاستثمار في الذهب والموانئ قد يبدو رهاناً استراتيجياً. لكن بالنسبة للسودانيين، هذا الرهان يعني استمرار نزيف الدم.
هذا النموذج يعكس كيف تتحول النزاعات المحلية إلى ساحات لتصفية حسابات إقليمية ودولية، حيث يصبح المدنيون ضحايا لمعادلات جيوسياسية لا ترحم.
الخاتمة
التحقيقات الاستقصائية، جلسات الكونغرس، وتقارير المنظمات الحقوقية ترسم صورة متماسكة: دعم إماراتي مباشر أو غير مباشر لقوات الدعم السريع، مدفوعاً بطموحات اقتصادية وجيوسياسية. إذا لم يُقطع هذا الدعم، فإن دارفور والسودان بأسره سيظلان رهينة لصراع خارجي لا يرحم.
إن مستقبل السودان يعتمد على قدرة المجتمع الدولي على مواجهة هذه الشبكات، وتوسيع الحظر ليشمل كامل البلاد، وربط مبيعات السلاح للإمارات بتعهدات قابلة للتحقق بوقف أي دعم للدعم السريع. من دون ذلك، ستظل الحرب مشتعلة، وسيظل المدنيون يدفعون الثمن.

