في التضامن مع الزميل مهند النور

لنضع حدا لهذا التدهور والابتذال

قد علمتنا دروب العمل السياسي، ثم جاءت تقاليد العمل النقابي لتؤكّد لنا، أن التضامن قيمة عظيمة وذات أثر بالغ في العمل المدني. وتُحدّثنا التجارب السودانية والعالمية عن كيف أن التضامن أنقذ أرواحاً وجنّب شعوباً كثيرة الويلات، وما حالة الشعب الفلسطيني في غزة ببعيدة عن الأذهان.

وانطلاقاً من هذا الفهم، يصبح من الضروري إعلاء قيم التضامن في حماية أشكال العمل المدني السلمي من كل اشكال التنمر والابتذال وعلى رأسها الاعتداءات الجسدية لما تحمله من خطورة كبيرة على حرية التعبير وقيم الديمقراطية.

إن ما حدث مع الزميل مهند النور لا يقف عند حدود حادثة معزولة نفّذها بعض الغوغاء، بل يمتد ليشمل كيانات واجسام داخل مجتمع السودانيين في بريطانيا ممن يتبنون أو يغضون الطرف عن أنماطاً من التعبير العنيف وغير المشروع التي بدأت وتيرتها في الازدياد خلال السنوات الأخيرة. وما الحرب الدائرة في بلادنا اليوم الا واحدة من تجليات هذه الأزمة. ومعلوم عبر تاريخنا السياسي الطويل الجهة التي تبنّت ولا تزال تتبنى العنف وسيلة رئيسية في العمل السياسي.

كل من شاهد التسجيل المصوّر لهذه الواقعة والمنتشر على منصّات التواصل الاجتماعي، يلحظ وبصورة مقلقة، عدّد من الامور الخطيرة. أول هذه الأمور مستوى العنف الشديد الذي تعرّض له الزميل مهند النور، بما يشير إلى أن الهدف يتعدى مجرد الرغبة في منعه من الحديث إلى نزوع نحو الانتقام وترهيب الآخرين وتنفيرهم من المشاركة في النشاط المدني السلمي للمجتمع السوداني في بريطانيا، ونقل أجواء العسكرة التي سمّمت الحياة العامة في السودان إلى مجتمعات السودانيين في المهاجر. وهذه قضية تتطلب منا جميعاً الانتباه لها والوقوف بحزم في وجهها.

أولئك الذين يشاركون في الفعاليات المدنية المختلفة وهم يرتدون الزي العسكري إنما يعبّرون عن ازدرائهم للعمل السياسي المدني ورغبتهم في مصادرته، وهو ما بدا واضحاً في التسجيل. ومن هنا، أدعو كل تجمعات السودانيين في دول المهجر لاتخاذ موقف حازم في رفض هذه الظاهرة، بغض النظر عن توجهاتهم أو انتماءاتهم. وأعود للتذكير بأن التاريخ السوداني يخبرنا بأن هناك جهة واحدة تبنّت عسكرة الحياة العامة، وكل من يسير على هذا النهج هو حليف سياسي وفكري لها.

أما الملاحظة الثانية، فهي أن التسجيل أظهر بوضوح أن الزميل مهند مُنح فرصة الحديث بموافقة الجهات المنظمة للفعالية—وأقصد هنا تجمع روابط دارفور وتجمع السودانيين الشرفاء بالخارج—ممّا يجعل هذه الجهات مسؤولة قانونياً وأخلاقياً عن توفير الحماية له. لكنّها، وفق التسجيل، لم تتخذ أي خطوة للتدخل لضبط المنصة، بل آثرت الصمت، وهذا يجعلها مسؤولة أخلاقياً جنباً الي جنب مع اولئك الذين ارتكبوا هذا الاعتداء. أمّا المسؤولية القانونية فهي أمر يترك للقضاء البريطاني وفق القوانين السارية.

إن ما جرى بالأمس ليس سوى حلقة في سلسلة من الأحداث التي شهدتها دول أوروبية عدة، ويجمع بينها خيط رفيع يتمثل في السعي لإرهاب السودانيين في المهجر وتنفيرهم من المشاركة في العمل السياسي المدني، ودفعهم نحو عسكرة الحياة العامة.

وعلى الجانب الآخر، نجد أن الجالية السودانية في بريطانيا، وهي من أقدم الجاليات السودانية في العالم، تواجه اليوم تحدياً كبيراً يتمثل في الحفاظ على مستقبلها وإرثها. ويقتضي هذا الأمر إيلاء اهتمام خاص لفئتين مهمتين: الفئة الأولى هي المهاجرون إلى بريطانيا خلال السنوات العشر الأخيرة ومعظمهم من الشباب الذين فشلت الجالية في إدماجهم في مجتمعها، مما جعلهم لقمة سائغة لمجموعات لا تمثل قيم المجتمع السوداني في بريطانيا. والفئة الثانية هي الجيل الأول من أبناء السودانيين في بريطانيا، الذين هم في العمر ذاته تقريباً، وكان من الممكن أن يكونوا سنداً وعوناً لدمج هؤلاء الشباب إذا ما تم ادماجهم بصورة فعالة في قضايا بلادهم السودان. ونذكر هنا أن هاتان الفئتان تمثلان مستقبل الجالية السودانية في بريطانيا، كما تمثلان قسما مهماً من مستقبل السودان نفسه.

وهنا لابد من الإشارة إلى التاريخ المشرف لهذه الجالية وتجاربها المضيئة، ومن بينها— على سبيل المثال لا الحصر— تجربة المدرسة السودانية في لندن التي استنسخت لاحقاً في مدن بريطانية أخرى. وقد عكست تلك التجربة قدراً كبيراً من الحكمة وبعد النظر في تعريف أبناء السودانيين في بريطانيا بثقافة وتاريخ بلادهم وقضايا شعبهم. ويقتضي الموقف استحضار رواد تلك التجربة من رجال ونساء عظماء مثل الدكتور أحمد بدري وزوجته الأستاذة بتول الريح، والأستاذة حسب سيدا، والمرحومة آمنة الباقر، وغيرهم من رواد الجالية الذين نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى أمثالهم، خصوصاً بعد أن بدى بوضوح حجم أزمة الجالية خلال انتخاباتها الأخيرة.

فلنجعل من حادثة الاعتداء على الزميل مهند الحلقة الأخيرة في مسلسل التدهور داخل مجتمع السودانيين في بريطانيا وأوروبا عامة، وذلك بالتصدي الحازم لكل أشكال العنف والتنمر الجسدي واللفظي، وبإشاعة روح التضامن والتعاضد بين جميع مكوّنات الجالية، وعزل التكوينات المشبوهة التي بدأت تطفو على السطح حتى باتت تهدد الأمن والسلامة العامة للسودانيين في بريطانيا وللمجتمع البريطاني بصفة عامة. كما ينبغي العمل على إدماج جميع مكوّنات المجتمع السوداني داخل مجتمع الجالية ليكون واحداً من روافع الوحدة الوطنية والسلم الأهلي المنشود.

التعليقات 1

  1. Layne Faulkner

    There is definately a lot to find out about this subject. I like all the points you made

    الرد

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *