
ما بعد اختطاف مادورو: إلى أين تتجه الولايات المتحدة وفنزويلا وأمريكا الجنوبية؟
فجر يوم الثالث من يناير ٢٠٢٦م، وفي تمام الساعة الثانية بتوقيت كراكاس تعرضت العاصمة الفنزويلية الي سلسلة من الضربات الجوية الامريكية شملت العاصمة كاركاس وثلاث ولايات أخري في البلاد، كما رشحت اخبار باستهداف منزل وزير الدفاع الفنزويلي.

بعد حوالي ساعة من بدء الضربات أصدر وزير الخارجية بيانا وصف فيه ماجري بانه انتهاك للبندين الأول والثاني من ميثاق الأمم المتحدة وان الهدف من ذلك هو الاستيلاء على موارد البلاد خصوصاً النفط والمعادن. كما أكد البيان على طبيعة هذه الحرب الاستعمارية وانه وبعد ما يزيد عن المائتي عام لازال الشعب الفنزويلي يكافح من أجل استقلاله. كذلك أعلن البيان ان الرئيس مادورو قد وقع جملة من المراسيم تشمل اعلان حالة الطوارئ في كل أراضي فنزويلا وتفعيل خطة الطوارئ كما أمر بنشر قوات الدفاع الوطني في جميع انحاء البلاد ودعا الشعب للكفاح المسلح.
في غضون ساعتين من بيان وزير الخارجية الفنزويلي أعلن الرئيس ترمب على حسابه في منصته الخاصة (Truth Social) ان الولايات المتحدة قد قامت باختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس المحامية والناشطة السياسية ورئيسة الجمعية الوطنية السابقة، وأنه قد جري نقلهم الي خارج فنزويلا.
علي الصعيد الإقليمي وفور وقوع الهجوم ادانت كل من كولومبيا وكوبا هذا الهجوم حيث حذر الرئيس الكولومبي العالم مما يجري كما وصف وزير الخارجية الكوبي ان الهجوم يعتبر اعتداء صارخ علي دولة لم تعتد على أحد. ثم تتالت الادانات من الصين وروسيا والبرازيل كما أصدر الامين العام للأمم المتحدة تصريحاً خجولاً كرر فيه التأكيد على ضرورة الالتزام الكامل بالقانون الدولي بما في ذلك احترام سيادة الدول. أما ردود افعال دول الاتحاد الأوروبي فقد جاءت مرتبكة وتعبر عن خشية مفرطة من الرئيس ترمب حيث جاءت تراوحت بين الاشارة الي مخالفة هذا الفعل لقواعد القانون الدولي وما بين التأكيد علي عدم شرعية الرئيس مادورو وهي قضية قد تم اقحامها اقحاماً في الحدث للتخفيف من الموقف المحرج الذي وضعها فيه ترمب وعدم قدرتها علي الدفاع عن القيم التي طالما نادت بها، فالقضية هنا ليست شرعية الرئيس مادورو من عدمها، بل في اعتقاد دولة ان لها الحق في ضرب الحائط بقوانين وقواعد شاركت هي نفسها مع الاوروبيين في صياغتها لمجرد قناعتها أنها قادرة علي فعل ذلك.
اللافت في الأمر انه وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده ترمب فقد تحدث الرجل بلا أدني مواربة أن الولايات المتحدة سوف تدير فنزويلا، وأن الشركات الامريكية سوف تستولي على صناعة النفط فيها، وهو ما ظل يؤكده النظام الفنزويلي عبر الرئيس المختطف نيكولاس مادورو نفسه وعادت لتؤكد عليه نائبة الرئيس دِلسي رودريغيز ووزير الدفاع اللواء فلاديمير بادرينو لوبيز.
هذا الفعل وتلاه من تصريحات يضع منطقة الكاريبي وأمريكا الجنوبية بصفة خاصة على صفيح ساخن. فهذه العملية تذكرنا بما قام به جورج بوش الاب في ١٩٨٩- ١٩٩٠م بالهجوم على بنما واعتقال رئيسها ايمانويل نورييغا الذي كان من أقوى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ثم انقلبت عليه علي خلفية نفس الاتهامات التي وجهت للرئيس مادورو وهي الاتجار بالمخدرات. وهنا نذكر بان الرئيس ترمب قد عبر أيضا عن اطمعاه صراحة في قناة بنما.
تاريخ حافل بالتدخلات
إن للولايات المتحدة الامريكية تاريخ حافل بالتدخل لتغيير الأنظمة الحاكمة في هذه الدول حيث نجد محاولتها اعادة الرئيس جين-بيرتار أريستيد في هاييتي وحاولتها السابقة للتدخل وتغيير نظام حكم الرئيس هوغو تشافير في فنزويلا نفسها ثم تدخلها للإطاحة بالرئيس إيفو موراليس، هذا الي جانب تاريخ طويل من تدبير الانقلابات العسكرية في المنطقة خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي والتي كان اشهرها:
- الانقلاب ضد الجنرال خوان خوسيه توريس في بوليفيا في اغسطس ١٩٧١م
- والانقلاب ضد حركة قمع حركة توبا ماروس اليسارية في الاورغواي التي كانت من أكثر دول امريكا الجنوبية ديمقراطية وذلك في يونيو ١٩٧٣م
- الانقلاب ضد الرئيس المنتخب سلفادور الليندي في تشيلي في سبتمبر ١٩٧٣م
- الانقلاب علي الجنرال خوان فيلاسكو ألفارادو في بيرو سنة ١٩٧٥م
- انقلاب الأرجنتين ضد إيزابيل بيرون في مارس ١٩٧٦م
جميع هذه الانقلابات قد نفذت بدعم مباشر من الولايات المتحدة الامريكية إما عن طريق وزارة الدفاع أو وكالة المخابرات الامريكية (CIA). أما عقد الثمانينات فقد شهدت تدخلات اسفرت علي حروب أهلية مريرة راح ضحيتها عشرات الاف في نيكارغوا خلال النزاع المسلح بين الحكومية البيكارجوية وحركة السادنيستا المدعومة من الولايات المتحدة وخلال الحرب الاهلية في السيلفادور ضد حركة فارابوندو مارتي اليسارية.
إذاّ فتاريخ تدخلات الولايات المتحدة الامريكية في أمريكا الجنوبية ليس بأفضل من حاضرها. كما أن تاريخها في العالم بصورة عامة حافل بمثل هذا النوع من الأفعال، فقد قادت الحملة ضد النظام العراقي في حرب العراق الأولي سنة 1991م والتي قامت فيها الولايات المتحدة بنشر جنودها وقواعدها العسكرية في معظم دول الخليج وخلق حالة من شبه الاحتلال العسكري للمنطقة. وقد.
أمريكا الي أين؟ – حصاد تلك التدخلات
كانت النتيجة المباشرة لتلك التدخلات هي موجة من الغضب والكراهية للولايات المتحدة باعتبارها دولة متنمرة هي والغرب بصفة عامة. وقد نجمت عن ذلك موجه عاتية من العمليات الارهابية التي تأثرت بها معظم دول العالم.
قد درجت الولايات المتحدة الأمريكية استهداف الدول الفقيرة والضعيفة مثل بنما وفنزويلا وأفغانستان. وما يقوم به الرئيس ترمب حالياً، هو أنه يداهن ويتجنب الصدام مع الدول القوية مثل الصين وروسيا ويعتدي على الدول الصغيرة والضعيفة مثل فنزويلا وفلسطين وهذا سلوك المتنمرين في الذين يخافون الاقوياء ويستأسدون على الضعفاء. أن تصريحات ترمب انه يحب الاقوياء أمثال الرئيس بوتين هو في حقيقة الأمر يعبر عن خشيته منهم لعلمه أنهم قادرين على ايذائه شخصياً وايذاء بلاده.
ولأن الرئيس ترمب والمحيطين به قارئون سيؤون للتاريخ فهم لا يدركون خطورة التنمر على الضعفاء فقد حذر منها ميكافيلي في كتابه للأمير حينما حذره من استهداف الضعفاء إذا لم يكن قادراً على القضاء عليهم قضاءً مبرماً وحذر منها كارل ماركس بقوله إن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه.
في تقديري المتواضع، أن ما يقوم به الرئيس ترمب سوف يجلب الكثير من النقمة على الشعب الامريكي وهذا أمر يقتضي بلغة المال التي يفهمها ترمب الاستعداد لصرف الكير من الأموال حفاظاً علي أمن الولايات المتحدة وشعبها.
فنزويلا الي أين؟
علي المستوي الداخلي في فنزويلا، فمن المبكر الحكم علي ما يجري، فلا يجب علينا إغفال حقيقة أن النظام الفنزويلي لديه الكثير من الاخفاقات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي وهي اخفاقات أدت الي تدهور المستوي المعيشي للمواطن الفنزويلي وهجرة الكثيرين منهم. ولكننا نذكر في نفس الوقت أن النظام ليس معزولاً بالكامل ولديه مؤيدين وهم على استعداد لحمل السلاح. ونشير الي أن النظام الفنزويلي قد قام بتجنيد اعداد كبيرة من المواطنين تقدر بحوالي اربعة ملايين فنزويلي داخل قوات الدفاع الوطني المكلفة بادوار مساندة للجيش والشرطة في حالة وقوع هجوم على فنزويلا. وهو تدبير يجعل العملية الامريكية الحالية مغامرة غير محسوبة، إلا اننا نتساءل عن إذا ما كانت هذه المجموعات الشعبية على استعداد لحمل السلاح دفاعاً عن مادوروا شخصياً أم عن النظام الذي بناه مادورو؟.
نحن اليوم أمام حالة كثيفة من العسكرة للشعب الفنزويلي، كما اننا أمام منظومة معقدة ومتعددة الطبقات للحكم في فنزويلا التي انشأها مادوروا تحسباً لهذا اليوم وبالتالي فانه حتى وإن صحت فرضية قيام الحكومة الامريكية باستمالة بعض قادة النظام الفنزويلي، فهل هؤلاء قادرون على لجم هذه المجموعات الشعبية التي تدين بالولاء لمادوروا؟. كذلك يصعب التنبؤ بردة فعل بقية دول المنطقة في ظل هذا التهديد الوجودي الذي تمثله الولايات المتحدة لامن واستقرار هذه الدول، ويستوي هنا الأمر بين الدول الحليفة أو تلك التي تتخذ موقفا مناوئاً للولايات المتحدة، فالجميع في حاجة الي حماية نفسه وموارده. وهذا ما ستجيب عليه الايام القادمة.
