ذاكرتي المجبولة بالطين والذهب

الفصل الأول
وُلدتُ في قرية صغيرة تُدعى “أبوحراز”، حيث يعرف الجميع بعضهم بعضاً، وتتشابك الحكايات كما تتشابك جذور الأشجار في الحقول. هناك، وسط البساطة والتراب ورائحة المزارع، نشأت في مجتمعٍ أغلبه من المزارعين والرعاة، يعيشون من خيرات الأرض ويقاسون مشقتها. وُلدتُ في عام ١٩٩٩م، وقبل أن أتعرف على ملامح أمي، غابت عني إلى الأبد، فقد توفيت وأنا لم أبلغ بعد عامين من عمري، فلم يبقَ منها سوى روايات العائلة، وحنين غامض لا أستطيع تفسيره. بعد وفاتها، سافر أبي إلى ليبيا بحثًا عن الرزق، وترك خلفه مسؤولية تربيتي لجدتي وجدي وخالاتي، الذين أحاطوني بالحب والرعاية والصبر، رغم تقدمهم في السن وقلة ما يملكون.
كبرت في كنفهم دون أن أشعر يوماً أنني يتيم، ورغم أن حنان الأم لا يُعوَّض، إلا أن دفء جدتي كان عزائي، وحبها الصامت كان الحضن الذي احتميت به. بدأت ملامح الوعي تتشكّل داخلي، وتعلّمت مبكراً أن لا شيء يدوم، وأن لا شيء يُمنح مجانًا، وأن على الإنسان أن يعمل ويجتهد ليأكل، ويكدّ ليحلم. رأيت هذه الدروس حيّةً في وجوه جدي وجدتي وهما يزرعان، يحصدان، ويتعبان بلا تذمّر. وعندما بلغت السادسة، دخلت المدرسة، وعدتُ يومي الأول مفعماً بالفرح، أحمل دفاتري كأنها كنوز، وهرعت إلى جدي لأشاركه ما تعلمت. لكنه استقبلني بجدية صارمة، طلب مني أن أراجع أمامه ما دَرست، وعندما لم أستطع، انهال عليّ ضرباً بالعصا، حتى فررت منه باكياً. لم يكن قاسياً بطبعه، بل كان يربّي بالقسوة خوفاً عليّ من الضياع، وقد أحببته رغم وجعه، وفهمت لاحقاً أن بعض الحبّ لا يُقال، بل يُمارَس بالشدة.
ومرت السنوات، وتشكّلت شخصيتي بين المزرعة والمدرسة، حتى بلغت الثالثة عشرة من عمري. كانت مدرستي مختلطة، خلافاً لما اعتادت عليه قريتنا، وهناك عرفتُ للمرة الأولى طعماً آخر من المشاعر… شيئًا غريباً، مختلفاً، لم أستطع تفسيره في البداية، لكنه كان جميلاً وموجعاً في آنٍ واحد. كنت أراقب فتاةً معي في الصف، لم أتبادل معها كلمة، لكني أطلقت عليها في قلبي اسم “أميرتي”. كان حباً عذرياً نقياً، تقتصر تفاصيله على تبادل نظرات، لكنها كانت كفيلة بأن تجعلني أرتجف من الفرح. كنت أذهب كل مساء إلى جوار بيتها، أراها من بعيد ثم أعود مرتاح البال، كما لو أن رؤيتها تملأ قلبي بالطمأنينة. وذات ليلة، من شدة الاشتياق، رأيتها في المنام تبتسم لي، فاستيقظت وأنا أشعر كأنني امتلكت كيلو من الذهب، ورفعت يدي إلى السماء أدعو: “يا رب، أرني إياها مرة أخرى… ولو من بعيد.”
لكن الحياة لا تنتظر أحداً، ففي نفس العام قال لي خالي: “لقد أصبحتَ رجلاً الآن.” وأردف قائلاً بحزم: “ستسافر معي هذا الصيف إلى مناطق التنقيب عن الذهب.” لم أكن قد شببت تماماً، كنت بين طفولةٍ لم تكتمل ورجولةٍ يُدفَع بها دفعاً، لكنها كانت أولى خطواتي نحو الغربة. تركتُ ورائي قريتي، جدتي، رفاقي، و” أميرتي” التي لم تعرف يوماً كم أحببتها. ودّعت رائحة الحقول، وأصوات الدجاج، وضوء الفجر على سطح الطين، وذهبت إلى المجهول. ظننتها مغامرة، لكن سرعان ما عرفت أن الغربة، حتى داخل الوطن، مؤلمة. الغربة فقدٌ واشتياق، وطفلٌ يُختبر لأول مرة في معنى المسؤولية. بكيت كثيرًا، واشتقت أكثر، لكني تعلمت أن الدموع لا تُعيد أحداً، وأن الرجال لا يُصنعون في الراحة. هناك، في قلب الرمال، بدأت أول دروسي الحقيقية: أن الحياة قاسية، وأنك إن أردت أن تكون شيئاً، فعليك أن تدفع الثمن منذ صغرك…….
الفصل الثاني

