حوار هادئ حول مفهوم المقاومة الشعبية (٣\٥)

دروس من الصومال “الرجال- التمويل – الامداد – الاستخبارات”

في هذا المقال سنتناول قضية مهمة وهي قضية التمويل والامداد لاي نشاط مقاوم مستلهمين دروس وعبر من تجربة صومالية تشبه الي حد كبير تجربة الامام المهدي في نهايات القرن التاسع عشر وقد تأثرت بها ايضاً، وذلك في محاولة لشرح النقاط الحرجة المتعلقة ببناء حركات المقاومة وعلي راسها التمويل والامداد.

الشيخ محمد عبد الله حسن

الشيخ محمد عبد الله حسن

في مطلع القرن الماضي واجه الشيخ محمد عبد الله حسن (1856- 1920) في وقت واحد ثلاث قوي استعمارية كانت تقتسم الصومال هي بريطانيا وفرنسا وايطاليا الي جانب اثيوبيا التي تسيطر علي اقليم اوقادين.

لعلل الكثيرين يجمعون علي أنك اذا اردت ان تنشئ جيشاً فانت في حاجة الي المال والرجال والسلاح، إلا ان قائد الجهاد الصومالي ضد المستعمر الشيخ محمد عبدالله حسن قد كانت له معادلة مختلفة واجه بها ثلاثة جيوش في وقت واحد، وهو قد استفاد من التجربة المهدية في السودان لاستنتاج جزء من هذه المعادلة حيث لم يخفي الشيخ محمد عبدالله حسن تأثره وإعجابه بها وهي معادلة رباعية تبدأ بالرجال ثم تنتقل الي التمويل ثم الامداد ثم الاستخبارات.

قضي الشيخ محمد عبد الله حسن وقتاً طويلاً في خلق النواة الصلبة لحركته والتي ركز فيها على عنصرين مهمين هما:

  • بث الوعي الوطني الصومالي وسط القبائل والمجموعات التي كان حكمها وولاءاتها مشتتة بين كل من فرنسا وبريطانيا وايطاليا واثيوبيا لبناء شبكات تمويل وإمداد ممتدة ومعقدة وفعالة.
  • بناء جيش محدود من عناصر ذات وعي وتكوين وطني متجاوز للنعرات القبلية والعشائرية وقد بذل الشيخ محمد عبد الله حسن مجهوداً كبيراً في مسالة توحيد هذا الجيش ايديولوجياً وبناء أواصر كبيرة من الولاء المطلق للمجموعة والاستعداد للموت من اجل المجموعة والانتماء لفكرة الصومال الوطن الواحد حتى اطلق عليهم البريطانيون لقب الدراويش وهي نفس التسمية التي اطلقها البريطانيون علي جيش الامام المهدي.

فيما يخص التمويل بنى الشيخ محمد من شبكة واسعة ومعقدة من مصادر التمويل والتي اعتمد فيها علي المثقفين ورجال العشائر من مختلف المجموعات العرقية والقبلية بدءا من الصومال الفرنسي والايطالي والبريطاني ومن المؤيدين له في منطقة الحجاز وقد كانت شبكة مذهلة بتنوعها وتعدد مصادرها وتباين اساليب عملها الامر الذي جعل مسألة تفكيكها عملية شبه مستحيلة بسبب تمددها في مناطق نفوذ هي نفسها في حالة نزاع وتضارب مصالح (بريطانيافرنساايطاليااثيوبيا) مما يجعل مسألة التنسيق فيما بينها لرصد وتفكيك هذه الشبكة عملية غير واردة.

اما في جانب الامداد فقد استغل الشيخ محمد عبد الله حسن مسألة تشتت الوطن الصومال بين مناطق نفوذ متعددة لصالحه فعمل على تنويع مصادر التسليح والامداد فكان جيشه يمتلك اسلحة فرنسية وايطالية وبريطانية كما كان الامداد يصل جيشه عبر خطوط تخترق مناطق النفوذ البريطانية والايطالية والفرنسية الي جانب اقليم اوقادين الواقع تحت سيطرة اثيوبيا.

كذلك نجد ان جيش الشيخ محمد عبدالله حسن محدود العدد قد نجح في هزيمة الجيش البريطاني في عدة معارك متتالية منها معركتين خلال اقل من شهر في منطقة بربرة حيث كانت الاولي في يونيو 1901 في منطقة تمركز قوات الدراويش في منطقة لسعنون وقام الدراويش بمهاجمة الجيش لبريطاني داخل معسكره في سيناريو اشبه بمعركة شيكان وهزيمته في منطقة لسعنون والمعركة الثانية قام فيها جيش محمد عبدلله حسن بنصب كمين للجيش البريطاني وذلك باستدراجه الي داخل معسكر جيش الدراويش ومن ثم مهاجمته، وهنا يبرز دور الاستخبارات الرئيس في هذه المعارك وتجدر الاشارة الي أن الجيش البريطاني لم ينجح في اضعاف حركة محمد عبدالله حسن الا عبر نشاطهم الاستخباري وسط القبائل الصومالية والذي نجح في تغيير ولاءات بعضها. ثم كانت الضربة القاضية استخدام سلاح الجو الملكي البريطاني بتوجيه مباشر من ونستون تشيرشل.

الدرس الأول من هذه التجربة يتمثل في أن تأسيس مقاومة شعبية إنما هو قرار جماعي تتبناه مجتمعات بكاملها وليس مجموعة محدودة تنزوي داخل معسكر أو ثكنة للجيش فنجاح جيش الدراويش الصومالي ما كان له ان يتحقق مالم يكن مدعوما من مجتمعات كاملة في رقعة جغرافية واسعة كما ان السلاح الاساسي الذي استخدم لهزيمة هذه الحركة كان سلاح الاستخبارات حيث نجح البريطانيون في سحب ولاء قسم من المجموعات القبلية الصومالية من حركة محمد عبد الله حسن.

الدرس الثاني كان هو بناء وعي وطني عابر للقبيلة والمنطقة والعرق، وهو شرط لازم لنجاح اي حركة للمقاومة الشعبية، فما لم تتمكن حركة المقاومة الشعبية من بناء بؤر للوعي الوطني داخل المكونات القبلية المتنافرة تعمل على بث روح التضامن والأخوة بين هذه المكونات وتسحب البساط من تحت أقدام دعاة القبلية والجهوية فسوف لن يتبلور مشروع وطني قادر علي مقاومة ونزع فتيل الحرب وتوجيه البلاد نحو التنمية.

الدرس الثالث هو أن التمويل ما لم يكن متنوع المصادر ويعتمد في جله على المصادر الوطنية والمحلية فسيكون ذلك اكبر خطر علي استقلال القرار داخل حركة المقاومة ولدينا عبرة في عدد كبير من حركات المقاومة الثورية في كل من اسيا وامريكا اللاتينية خلال عقدي الثمانينات والتسعينات.

 

المراجع:

  1. Abdisalam M. Issa-Salwe ‘The Failure of the Daraawiish State - The Clash Between Somali Clanship and State System’ Paper Presented at the 5th International Congress of Somali Studies (December 1993)
  2. Jardine Douglas (1923) ‘The Mad Mulla of Somali Land’ London: Herbert Jenkins,1923(.
  3. Lewis, I M.; A Modern History of Somalia: Nation and State in the Horn of Africa, (London: Oxford University Press, 1961).
  4. Samatar, Said S ‘Oral Poetry and Somali Nationalism: The Case of Sayyid Mahammad Abdille Hasan (African Studies, Series Number 32). Cambridge: Cambridge University Press, 1982). ISBN 10: 0521238331ISBN 13: 9780521238335

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *