عن مشروع التغيير الجذري في السودان (1/3)

المتابع للساحة السياسية يلاحظ بسهولة سيادة حالة من النقد والنقد المضاد الكثيف، فكل طرف ينتقد مشروع الطرف الاخر بينما نجد ان القليلين قد تصدوا بالشرح التفصيلي لملامح مشروعهم، بل اكاد ازعم انه حتى اولئك الذين تصدوا لعملية الشرح تلك قد تصدوا لها من باب الدفاع عن النفس في مواجهة نقد الاخر.

هذا المقال عبارة عن محاولة متواضعة للتصدي بالشرح لمشروع التغيير الجذري مع النأي بالنفس بقدر الامكان عن الرد على انتقادات الفريق الاخر. سيكون مدخلي للشرح هو اجابة على تساؤلات ظلت تطرق ابواب المنادين بالتغيير الجذري تلك الاسئلة هي: ماذا تريدون بالضبط في هذا المشروع؟ … ولماذا ترفضون الجلوس والتعاطي مع المعسكر الاخر وتقديم التنازلات له من اجل التوصل الي اتفاق وطني يخرج البلاد من أزمتها؟

تلك في تقديري تساؤلات مشروعة وليس الهدف منها احراج معسكر التغيير الجذري، قتلك الأسئلة قد طرحت من قبل مجموعات من خارج معسكر التسوية ومن حقنا عليمهم ان نجيب بوضوح واستقامة على هذه الاسئلة وبالتالي ادارة حوار هادئ مع هذه المجموعات يفضي لاستيعاب قطاعات واسعة منها لصالح مشروع التغيير الجذري وعليه ستكون الاجابة على هذه التساؤلات هي مدخلي لشرح مشروع التغيير الجذري;

في البدء دعونا نتفق على ان المشروع الذي اتحدث عنه هو مشروع للتغير الجذري وبالتالي فلابد له من ان يبدأ بالإجابة على الاسئلة الجذرية التي تواجهه بلادنا اليوم حتى تتضح الرؤية … أذن ماهي الاسئلة الجذرية التي يسعي مشروع التغيير الجذري للإجابة عليها وايجاد حلول لها؟ …

في تقديري المتواضع ان مشروع التغيير الجذري يسعي الي الاجابة على سؤال واحد وبسيط هو: لماذا نحن كسودانيين نعيش حياةً مأساوية داخل بلادنا بالقدر الذي يدفعنا الي ركوب المخاطر الجمة لمغادرتها؟ … لماذا لا يجد صاحب الدخل المحدود سقفاً يأوي اليه يقيه حر الصيف وزمهرير الشتاء وزخات المطر؟ … لماذا لا يجد العامل والموظف والمهني عملاً؟ وحتى ان وجد العمل لماذا لا يضمن له هذا العمل حياة كريمة ومستقبل آمن له ولأفراد اسرته؟ … لماذا يخاف المزارع فلاحة ارضه لانعدام الامن في ارضه أو خوفاً من الخسارة وريادة السجون؟ … لماذا يقطع الراعي بقطعانه الاف الاميال ولا يجد مرعيً يسكت جوع حيواناته؟ ولماذا يطارد التاجر والرأسمالي ربحاً قليلاً سرعان ما يبتلعه الانهيار المستمر لسعر العملة الوطنية والارتفاع الجنوني للأسعار بما يجعله غير قادر علي التخطيط لرأسماله وعمله لأكثر من أشهر معدودة؟ لماذا نعيش هذه الحياة المأساوية، ومن المسؤول عن كل تلك الماسي وكيف السبيل للخروج منها؟ … ذلك هو السؤال أو تلك هي الاسئلة.

حسب فهمي المتواضع فان مشروع التغيير الجذري يجيب على هذا السؤال كالتالي: حياتنا مأساوية لأننا نعيش في ظل بنية اقتصادية تعمل على تجميع موارد البلاد في ايدي فئة اجتماعية محدودة العدد وتقوم هذه الفئة ببيع هذه الموارد في صورة مادة خام وتحتكر عائداتها. وبالتالي فان مشروع التغيير الجذري يقول ان الحل يتمثل في الملكية الجماعية لموارد البلاد الطبيعية (الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار) وذلك يتحقق عبر اعادة توجيهها وادخالها عمليات زراعية وصناعية واسعة تعمل علي خلق قيمة مضافة لهذه الموارد ليتم بيعها في شكل منتجات زراعية وصناعية بدلاً من بيعها في صورة مادة خام، كذلك يقول مشروع التغيير الجذري ان هذه العمليات الزراعية والصناعية المنشودة ينبغي ان تشارك فيها أوسع قاعدة من صغار المنتجين علي مستوي المجتمعات المحلية وعلي الدولة ان تدعم هذا التوجه بالسياسات وتوفير وصيانة البنية التحتية المطلوبة للنهضة الزراعية والصناعية ذات المضمون الاجتماعي.

ذلك هو الحل للوضع المأساوي الذي نعيشه من وجهة نظر مشروع التغيير الجذري والذي يتبني مشروعاً تنموياً مغايراً لما هو سائد اليوم.

يقول مشروع التغيير الجذري ان تنفيذ هذا التوجه التنموي يقتضي انتزاع موارد البلاد الطبيعية من المجموعة المسيطرة عليها أولاً ثم هدم البنية الاقتصادية القديمة المعادية للنهضة الزراعية والصناعية ذات المضمون الاجتماعي ثانياً.

ايضاً يعي مشروع التغيير الجذري ان التغيير الجذري لا يتم من خلال اجراءات سلطوية عبر السيطرة الفوقية علي جهاز الدولة بل يحتاج الي قاعدة اجتماعية واسعة لحراسة هذا التوجه التنموي الجديد والانخراط في عمليات اعادة بناء زراعي صناعي شاملة تبدأ علي مستوي الوحدات الانتاجية القاعدية، وهنا تبرز قضية الديمقراطية كقضية جوهرية وشرط لازم لنجاح هذا المشروع ولا نعني هنا ديمقراطية النخب ولكنها الديمقراطية التي تضمن مشاركة سياسية واسعة في كل حي وموقع عمل في عمليات اتخاذ القرار علي المستويين المحلي والقومي، وان تأخذ قطاعات الشعب صاحبة المصلحة الحقيقية في هذا المشروع قضية السلطة والحكم بجدية تامة لأنها السبب المباشر فيما يعانون من مآسي.

كذلك ينظر مشروع التغيير الجذري الي قضية الامن والسلام من خلال منظار اجتماعي شامل يعترف بالمصالح الضيقة للنخب وامراء الحرب في تلك المناطق المهمشة. فانعدام الامن وعدم الاستقرار هما نتيجة لغياب العدالة الاجتماعية وعدم الاستقرار الاقتصادي، فالأمن والسلام بمفهومهما الاقتصادي الشامل يعنيان امان المزارع في زراعته من الاعتداءات المباشرة وفي نفس الوقت امنه من الاعتداء على الجدوى الاقتصادية لزراعته وامن الراعي يعني امانه على نفسه وقطيعه من النهب والجوع وفي نفس الوقت أمن القيمة الاقتصادية للقطيع، وكذلك نجد امن الحرفي على حرفته وأمن الموظف على قيمة راتبه والقدرة الشرائية له، وأمن كل صاحب عمل على مستقبل اسرته ورأسماله في ظل هذا العمل.

يؤمن مشروع التغيير الجذري انه لن يفكر أحد في الاعتداء على الاخر أذا امن كل فرد على مستقبله في ظل عمل او نشاط اقتصادي قادر علي تلبيه الحياة الكريمة للإنسان وافراد اسرته، وهنا يتجلى شعار بناء السلام عبر مخاطبة جذور الازمة والتي هي في الاساسي جذور اقتصادية اجتماعية.

تلك هي ملامح مشروع التغيير الجذري حسب فهمي المتواضع له وفي الحلقات القادمة سأتناول بتفصيل أكبر ادوات وآليات النخب المسيطرة على بنية الاقتصاد السوداني علي موارد البلاد ولماذا يتشكك قسم كبير من اصحاب مشروع التغيير الجذري في جدوى الجلوس مع اصحاب المشروعات الأخرى على ساحة العمل الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.