ويسألونك عن الهبوط الناعم

بتاريخ 30/04/2022م تحدث المهندس الصديق الصادق في خيمة الصحفيين مدافعا عن مشروع الهبوط الناعم واصفا اياه بالموقف السياسي الرصين الذي يدعو للفخر وانه ليس بسبة.

هذا المقال محاولة لإدارة حوار هادئ مع دعاة الهبوط الناعم بعيداً عن المزايدة والتخوين، سوف اعمل علي شرح مشروع الهبوط الناعم بدءاً بالجذور الفكرية والسياسية لهذا المشروع ومن ثم سأدلف الي استعراض المحطات الرئيسية في مسيرته في السودان واختم مقالي بالتحديات التي تواجه هذا المشروع واحتمالات فشله.

ان الحديث عن مشروع الهبوط الناعم في السودان يبداً مع السفير برينستون ليمان (19352018) والذي تم تعيينه بواسطة الرئيس الامريكي الاسبق باراك اوباما مبعوثاً خاصاً للسودان ثم مبعوثاً خاصاً للسودان وجنوب السودان، ولا تفوتنا هنا الاشارة الي ان السيد ليمان كان أحد مهندسي اتفاق السلام الشامل بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان والذي أفضى في النهاية الي انفصال جنوب السودان.

خلال مسيرته المهنية عمل السيد ليمان مديرا لوكالة المساعدات الامريكية (USAID) وسفيراً لبلاده في كل من نيجريا (19851989) وجنوب افريقيا (19921992) وهي المسيرة التي مكنته من تطوير نظريته في السياسة الخارجية القائلة: اجمع جميع الاطراف في أقصى طرفي النقيض عبر جعلهم يرون الفوائد التي يمكن أن تقدمها لهم الحكومة الامريكية (راجع لقاء مع السيد ليمان علي اليوتيوب): هنا

تم تدشين سياسة الهبوط الناعم في السودان في العام 2013م بإقناع الفرقاء السياسيين بالجلوس على طاولة حوار وطني مقابل المساعدات الاقتصادية وتسهيل القروض عبر رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبالفعل تم اقناع الكثير من القوي السياسية بنظرية توازن الضعف تلك وبانها الطرف الاضعف في المعادلة وباستحالة اسقاط نظام البشير وان الحل الافضل هو الجلوس على طاولة المفاوضات.

بالفعل شاركت العديد من القوي السياسية في حوار البشير ثم نادت صراحة بالمشاركة في انتخابات 2020م ثم سعت عقب مؤتمر باريس في يوليو 2016م الي الحوار مع نظام البشير مرة اخري عبر الالية الافريقية رفيعة المستوي واستمرت في تلك المساعي حتى قبيل سقوط نظام البشير. وبعد سقوط البشير ايدت هذه القوي وعملت على دعم الشراكة بينها وبين اللجنة الامنية لنظام البشير في الفترة من ابريل 2019م واكتوبر 2021م وهاهي اليوم تسعي لإعادة انتاج نفس المشروع تحت رعاية الالية الثلاثية (اليونيتامسالاتحاد الأفريقي والايقاد).

المدهش في الامر هو قناعة بعض القوي السودانية الراسخة بهذا المشروع الامريكي ووفائها له حتي حينما قامت الحكومة الامريكية نفسها بالتشكيك في جدواه في عدة محطات هامة عقب سقوط نظام البشير ونذكر منها علي سبيل المثال الموقف من قوات الدعم السريع، والموقف من الشراكة مع بقايا اللجنة الامنية لنظام البشير وفي عدد من الملفات المتعلقة بمكافحة الارهاب والاتجار بالبشر.

ظل دعاة هذا المشروع يدللون علي فعالية ونجاح سياسة الهبوط الناعم بضرب المثل بالنموذج الجنوب افريقي في تحقيق الانتقال والتخلص من نظام الفصل العنصري، ويتجنبون تماماً الحديث عن الفشل الذريع الذي لاقته هذه السياسة في كل من اليمن وليبيا والتي افضت في النهاية الي الحرب الأهلية وانهيار الدولة، وهو ما يجعلنا نتشكك في ان اسباب نجاح التجربة في جنوب افريقيا يعود لسياسة جمع الفرقاء عبر القوة القسرية الناعمة والمساعدات، خصوصاً وان السفير ليمان نفسه قد عارض استخدام قانون ضرائب الأجانب الأمريكي في المحكمة الفيدرالية للحصول على تعويضات لعمال جنوب إفريقيا مما يدلل علي ان هذه المحفزات هي في جوهرها غير منحازة للفقراء وانها تعمل علي ضمان المصالح الاقتصادية الامريكية و حلفائها المسيطرين علي قمم الاقتصاد.

لماذا نعارض المشروع:

أولاً: لأنه مشروع مستورد تم تصميمه بواسطة مخيله اجنبية تنظر للسودان وشعبه باعتباره متلقي للمساعدات الانسانية ومشتري محتمل للتكنولوجيا الامريكية في مقابل السيطرة علي موارده الطبيعية ونهبها.

ثانياً: هذا المشروع يعمل علي اجبار جميع الفرقاء علي الجلوس في طاولة المفاوضات بغض النظر عن توازنات القوي بينهم ودون اعتبار لعدالة واخلاقية القضايا التي يعبر عنها هؤلاء الفرقاء وهو امر سيفضي بالضرورة الي فرض اجندة الطرف الذي يسيطر علي المال والسلاح ويتجاهل تماماً الجانب القيمي والاخلاقي الضروري لاستدامة اي اتفاق وطني بل ويفضي الي تمزيق النسيج الاجتماعي للدولة، وما حدث خلال الثورة اليمنية خير دليل علي ذلك حيث تم اجبار القوي السياسية اليمنية علي قبول شراكة غير عادلة وغير اخلاقية مع نظام علي عبدالله صالح والمليشيات المتحالفة معه مما قاد في النهاية الي الحرب الاهلية الطاحنة التي تدور رحاها في اليمن اليوم و شهدنا نفس السيناريو ايضاً في ليبيا.

بالتالي فان احتمالية انهيار الدولة السودانية واندلاع حرب اهلية شاملة نتيجة لفرض مشروع الهبوط الناعم كبيرة جدا، بل تكاد ان تفوق احتمالية نشوبها في حالة تطبيق المشروع المقابل (التغيير الجذري).

ثالثاً: يعمد هذا المشروع الي فت عضد الشعوب وذلك عبر تصوير تطلعاتها الي الحرية والعدالة الاجتماعية باعتبارها قضايا مستحيلة التحقيق وان الشعوب هي الطرف الضعيف في مقابل الحكومات وان أفضل ما يمكن ان تصبو اليه الشعوب هو الجلوس مع الحكومات المسيطرة ومحاولة الحصول على قدر من المكاسب منها، وفي هذه الحالة لابد من التخلي عن اي موقف ذو طابع ثوري أو قيمي أو اخلاقي مثل قضايا العدالة والمشاركة في الموارد والاكتفاء بالمكاسب المادية المباشرة وتدفق المساعدات.

رابعاً: ظل مشروع الهبوط الناعم يعيب علي القوي المدنية عدم وحدتها في حين ان العيب الكبير يتمثل في عدم وحدة القوي الحاملة للسلاح بين مؤسسات امنية رسمية ومليشيات متحالفة معها ترتدي جلباب السياسة مرة والبزة العسكرية مرة اخري حسب ما تقتضيه مصالحها، ان التسامح مع حالة تعدد الجيوش هو بالضبط ما ادي الي الانزلاق في اتون الحرب الاهلية في اليمن وليبيا والعراق واي مشروع جاد للتحول الديمقراطي في السودان ينبغي ان يبدأ بمعالجة هذه النقطة قبل الحديث عن وحدة القوي المدنية التي من طبيعتها التحزب والاختلاف في اي مجتمع ديمقراطي.

ختاماً: الأسئلة الملحة امام دعاة مشروع الهبوط الناعم هي:

كيف سيتمكنون من اقناع قوي مسيطرة باطشة بالتخلي عن اسباب مالها وقوتها القائمة علي نهب موارد البلاد الطبيعية والبشرية؟… ثم ما هو المسوغ الأخلاقي الذي ستنبني عليه التسوية والقادر علي ضمان استدامتها ويمنع البلاد من الانزلاق نحو الفوضى؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.