في ذكري فض الاعتصام واحداث هايماركت وعيد العمال العالمي

لن نمل الاحتفال بعيد العمال العالمي والذي تتزامن ذكراه هذه السنة مع الذكري الثالثة لفض الاعتصام المشؤومة ليأتي الاحتفال هذا العام مغموساً بطعم الفجيعة والخيانة وما اشبه الليلة بالبارحة.

من ينظر الي قصة احتفال الاول من مايو يجدها لا تخلو من قواسم مشتركة بينها وبين ذكري فض اعتصام القيادة العامة، ففي اكتوبر من العام 1884م عقد اجتماع للاتحاد الوطني لنقابات العمال والتجار بولاية شيكاغو، حيث تم تحديد الاول من مايو عام 1886م يوم البدء بالعمل بنظام الثمان ساعات فقط في اليوم. وكان هذا القرار تتويجاً لحركة عمالية عالمية عرفت باسم حركة الثمان ساعات والتي كان مطلبها الرئيس هو تقسم اليوم الي ثمان ساعات للعمل، وثمان ساعات للنوم، وثمان ساعات للفراغ والراحة. بدأت هذه الحركة في استراليا في ابريل 1856ام وامتدت الي كندا والولايات المتحدة الامريكية.

وفي يوم الاول من مايو عام 886م نظم العمال في شيكاغو وتورنتو إضرابا عن العمل شارك فيه ما بين 350 و 400 ألف عامل، يطالبون فيه بتحديد ساعات العمل تحت شعار “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات نوم، ثماني ساعات للفراغ والراحة والاستمتاع” وتجمع العمال في ساحة هاي ماركت (High Market) بشيكاغو لإعلان تمسكهم بهذا المطلب.

لم يَرق الامر للسلطات وأصحاب المعامل خصوصاً وأن الدعوة للإضراب حققت نجاحا جيدا وشلت الحركة الاقتصادية في المدينة، ففتحت الشرطة النار على المتظاهرين وقتلت عدداً منهم في محاولة لتفريقهم.

حينما فشلت محاولات الشرطة تفريق المتظاهرين تم القاء قنبلة بواسطة مجهول في وسط تجمع للشرطة أدى إلى مقتل 11 شخصا بينهم 7 من رجال الشرطة مما اعطي الشرطة ذريعة لاستخدام القوة المفرطة ضد العمال واعتُقِلَ على إثر ذلك العديد من قادة العمال وحُكم على 4 منهم بالإعدام، وعلى الآخرين بالسجن لفترات مُتفاوتة.

بعد سنوات ظهرت حقيقة الجهة التي رمت القنبلة عندما اعترف أحد عناصر الشرطة بأن من رمى القنبلة كان أحد عناصر الشرطة أنفسهم فيما عرف لاحقاً بمؤامرة هايماركت.

تجاوزت قضية هايماركت أسوار أميركا وبلغ صداها عمال العالم، وأحيا المؤتمر الأول للأممية الاشتراكية ذكراها في العاصمة الفرنسية باريس عام 1889م، وتمت الدعوة لمظاهرات دولية لإحياء ذكرى هايماركت عام 1890م، كما دعا اجتماع مؤتمر الاشتراكية الدولية في أمستردام في سنة 1904م جميع المنظمات والنقابات العمالية وخاصة الاشتراكية منها في جميع أنحاء العالم إلى عدم العمل في الأول من مايو/أيار من كل عام، وتم السعي لجعله يوم إجازة رسمية في عشرات الدول.

ايضا امتد الامر ليشمل الكنيسة الكاثوليكية والتي باركت يوم الاول من مايو عيداً للعمال واعتبرت القديس يوسف النجار شفيعاً للعمال والحرفيين.

اما الولايات المتحدة الامريكية فقد رفضت الاعتراف بهذا اليوم وسارت على تقليدها القديم الذي يحدد أول يوم اثنين من شهر سبتمبر من كل عام عيدا للعمل، واكتفت باعتبار الاول من مايو عطلة رسمية ويوماً للوفاء لذكري احداث هايماركت.

ظل الاول من مايو مناسبة للتعبير عن مواقف تتعلق بقضايا سياسية واجتماعية مثل رفض الحرب في العراق ومسيرة دعم حقوق العمال المهاجرين والاحتجاج على الوضع الاقتصادي وغياب العدالة الاجتماعية كما حصل في الأول من مايو 2012 عندما تم احتلال ساحة وول ستريت.

تمر علينا الذكري في السودان وكأنما التاريخ يعيد نفسه، فلا زالت حلقات التآمر علي الشعب السوداني منذ الحادي عشر من ابريل وحتي يومنا هذا ممتدة بهدف نهب موارد البلاد والاجهاز علي مسيرة التحول الديمقراطي لصالح طبقة نافذة ظلت مسيطرة علي السلطة منذ الاستقلال تارة باسم الطائفة وتارة اخري باسم الدين ومرات عديدة باسم الجيش.

لسنوات طويلة ظلت هذه الطبقة المسيطرة وعرابيها من قوي الراس مال الاقليمي تطحن جماهير العاملين ذوي الدخل المحدود والحرفيين وصغار المنتجين عبر سياسات السوق الحر والتي تمثلت في:

  1. عمليات النهب الممنهج لموارد البلاد الطبيعية من بترول ومعادن واراضي وثروة حيوانية وذلك عبر ارخاء قبضة الدولة عن تلك الموارد لصالح مليشيات ومؤسسات امنية مختطفة بواسطة هذه المجموعة المسيطرة التي تعمل علي اثارة وتأجيج النزاعات الداخلية ذات الطابع القبلي والجهوي لتحقيق هذا الهدف واوضح مثال لذلك احداث كرينك الاخيرة.
  2. كذلك تعمل هذه الطبقة المسيطرة على حلحلة ازماتها الاقتصادية عبر سرقة جيوب العاملين وذوي الدخل المحدود بواسطة الخفض المستمر لقيمة العملة الوطنية وسياسات التحرير الاقتصادي التي تؤدي الي ارتفاع الاسعار ليتكفل السوق بابتلاع مداخيل ومداخرات ذوي الدخل المحدود لصالح هذه الطبقة المسيطرة.

ونحن نحتفل بذكري الاول من مايو ينبغي علينا الانتباه الي ان مناهضة سياسات السوق الحر والضغط من اجل انجاز التحول الديمقراطي وتأسيس حركة نقابية وفق مبادئ الوحدة والاستقلالية والحرية هي قضايا لا تنفصل عن بعضها البعض، فلا تحول ديمقراطي بلا حركة نقابية مبنية على اسس سليمة ولا رفاهية لقوي العاملين باجر وصغار المنتجين في ظل سياسات السوق الحر.

فلنجعل من ذكري الاول من مايو نقطة انطلاق نحو وحدة قوي العاملين في مختلف مواقع عملهم وتجاوز الخلافات الثانوية للانطلاق نحو افاق أرحب وتطهير الصفوف من سماسرة المواقف ومفتعلي الحرائق والمناضلين من منازلهم لاستكمال مهام الثورة والعمل الجاد من اجل وطن حر وشعب سعيد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.