الامارات مأساة الكلب التشيواوا

في مفاكرة مفيدة جدا على منبر الشهيد المفكر عبد الخالق محجوب حوّل الابعاد الإقليمية والدولية لحرب ١٥ أبريل والتي قدم فيها المهندس والإعلامي المتميز حسام محجوب وعلي مدار ساعتين أطروحة شاملة عن الأثر الدولي والإقليمي علي حرب الخامس عشر من ابريل وكان من الطبيعي أن ان يتطرق النقاش الي الدور الاماراتي في هذه الحرب. إلا انه ولأول مرة يتم التطرق للدور الاماراتي من منظور استراتيجي يتناول حقائق الجغرافيا والسكان كمحدد رئيس يمكن من خلاله تفسير السياسة العدوانية لهذه الدولة خلال الفترة الماضية.

ما دار من نقاش في هذه المفاكرة قد ذكرني بمأزق الكلب التشيواوا وهو من السلالات الصغيرة التي لا يتجاوز وزنها بضع كيلوجرامات ولا يرتفع عن الأرض بأكثر من عشرين الي ثلاثين سنتمتراً. أزمة هذا الكلب وغيره من سلالات الكلاب الصغيرة مفهوم الحجم غير موجود في عقل الكلاب بصفة عامة وبالتالي فقد نجد كلباً صغيرا مثل التشيواوا ينبح بشراسة ويتحمس لقتال كلب كبير مثل الروتفايلر أو الهسكي، ذلك انه ينظر الي ذاك الكلب الكبير فيراه مساوياً له في الحجم ويري في نفسه نداً له في القتال.

تعداد السكان الاجمالي في الامارات

https://data.albankaldawli.org/indicator/SP.POP.TOTL?locations=AE

الامارات العربية المتحدة هي عبارة عن دولة تمتد على رقعة جغرافية لا تتجاوز 83.600 كم2، وتشكّل إمارة أبو ظبي القسم الأكبر من أراضي الدولة إذ تشمل إجمالي مساحتها 86.77% من المساحة الكلية للإمارات، أما أصغر الإمارات فهي إمارة عجمان وتبلغ مساحتها 285 كم2 (أي أصغر من مساحة مدينة بحري). يبلغ تعداد سكان الامارات حوالي 9.44 مليون نسمة، منهم 8.72 مليون نسمة من الوافدين أي ان تعداد مواطني هذه الدولة أقل من مليون نسمة حسب تقديرات الامم المتحدة سنة 2021م مما يعني وجود ثمانية الي تسعة وافدين مقابل كل مواطن اماراتي غالبيتهم من الهند وبنغلاديش وباكستان ومصر والفلبين الي جانب عدد من الجاليات الأخرى مثل فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن وسلطنة عمان.

هذه التركيبة السكانية الفريدة قلما توجد في دولة وتشترك معها في هذه الظاهرة كل من دولة قطر ودولة إسرائيل وهو ما سنتطرق اليه في هذا المقال.

يعتبر الناتج القومي الإجمالي لدولة الامارات من بين الأعلى في المنطقة حيث تجاوز 507 مليار دولار سنة 2022م وذلك حسب تقديرات البنك الدولي سنة 2022م الامر الذي يجعل الهوة شاسعة جدا بين الامكانات الاقتصادية لهذه الدولة وحقائق الجغرافيا والسكان، وهو الامر الذي قادها في تقديرنا الي انتهاج سياسة تتسم بشئ من التعقيد المميت، حيث نجد ان الامارات العربية المتحدة هي دولة واقعة ضحية لهيمنة الدول الامبريالية الكبري وعلي راسها الولايات المتحدة الامريكية واذكر هنا بحادثة ابتزاز الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لكل من السعودية والامارات والتي دفعت فيها السعودية 460 مليار دولار كما قامت دولة الامارات بدفع مبالغ ضخمة لإدارة ترمب في شكل صفقات عسكرية كانت اخرها صفقة السلاح الإماراتية الامريكية بقيمة 23 مليار دولار امريكا سنة 2020م في اطار سياسة الدفع مقابل الحماية التي تبناها ترمب تجاه دول الخليج العربي طوال فترة حكمه. إلا أن سياسة التبعية والانقياد التي اتبعتها الامارات تجاه القوي الامبريالية الكبرى قد دفعتها الي استنساخ ذات السياسة ضد عدد من الدول في المنطقة مثل السودان واليمن وسوريا وليبيا مما جعلها تلعب دوراً امبريالياً معادياً للشعوب على مستوى الاقليم، يهدف الي نهب موارد هذه الدول في محاولة لتعويض الاستنزاف الغربي من ناحية ولإيجاد منافذ توسعية لرأس المال الاماراتي المتنامي بمعدلات تتجاوز بكثير امكانات الدولة من حيث الارض والسكان.

هذه السياسة التوسعية لدولة الامارات لم تقتصر فقط على ليبيا وسوريا والسودان واليمن، بل امتدت أيضا الي دول كبيرة جدا مقارنة بالإمارات مثل اثيوبيا ومصر وكينيا وتشاد وادت هذه السياسية العدوانية الي انتباه شعوب هذه الدول الي الدور السالب الذي تلعبه الامارات في المنطقة بل وأمتد هذا الانتباه الي حكومات قوية في المنطقة مثل ايران والجزائر ومؤخرا المملكة العربية السعودية والتي أصبحت تتعامل مع الامارات كمهدد إقليمي. هذا الوضع ادخل الامارات في مأزق امني كبير حيث جعلها في وضعية اشبه بإسرائيل بالنسبة الي محيطها الإقليمي وهو ما يفسر حالة الشغف الاماراتي بإسرائيل في الآونة الأخيرة فالمصائب تجمعن المصابين.

ما أود قوله بهذا السرد هو أن العقل السياسي الاماراتي قد ادخل الشعب والدولة في مأزق جيواستراتيجي كبير بطموحاته الاقتصادية المتجاوزة لحقائق الجغرافيا والسكان وبانتهاجه لسياسة عدوانية تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع شعوب المنطقة، وهو ما سيدفع بهذه الدولة الي مزيد من التبعية والخضوع لابتزاز القوي الامبريالية العالمية وبالتالي مزيداً من الاستنزاف لمواردها المالية والنفطية.

كذلك وعلي المستوي الداخلي نجد ان دولة الامارات قد قامت بتربية عدو قوي في داخل احشائها فكما اسلفنا في بداية المقال فالإمارات دولة يوجد بها 9 وافدين مقابل كل مواطن، والحروب التي اندلعت في كل من ليبيا وسوريا واليمن والسودان واثيوبيا سوف تجعل ملايين الوافدين الي هذه الدولة ينظرون اليها كدولة معتدية آذت ملايين البشر في مختلف دول العالم وهذا مهدد أمني كبير لا أدري كيف غفل عنه صانع السياسة والاستراتيجية والأمنية، وسوف لن تستطيع الامارات احتواء هذا المهدد الأمني لفترة طويلة ولديهم في صديقتهم إسرائيل عبرة، فمن بديهيات الأمور انك اذ ما اردت التعايش مع احد ينبغي ان تمتنع عن اذيته، ومهما فعلت الامارات فسوف لن تتمكن من الاستغناء عن ملايين الوافدين الذين يعملون في إدارة آلتها الاقتصادية الضخمة وسوف يظل هؤلاء الوافدون مهدداً امنياً جدياً في ظل سياسة الامارات المعادية لشعوبهم. أما على المدي الطويل فسوف تؤول هذه الدولة الي هؤلاء الوافدين بارضها وأموالها ومواردها فالأرض لمن يسكنها والحقل لمن يفلحه خصوصا واننا بدانا نشهد الجيل الثاني والثالث من الوافدين علي أرض هذه الدولة.

هناك دولة اخري في المنطقة تعاني من نفس الوضعية وتسير في نفس الطريق المميت وهي قطر، وأرجو ان يتدارك العقل السياسي القطري الامر قبل الدخول الي ذلك النفق ذو الاتجاه الواحد والذي سبقتهم اليه الامارات، وادعوهم الي النظر باهتمام الي التجربة الكويتية، فالكويت ليست اقل منهم مالا ولا ثروات طبيعية ولكننا نجد ان العقل السياسي الكويتي أكثر واقعية واستيعاباً لحقائق الجغرافيا والسكان الامر الذي جنبهم الكثير من المنزلقات التي سقطت فيها الامارات وسوف توردها موارد التهلكة.

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *