تأملات في العمل النقابي في السودان (١\٧)

تحديات في مواجهة الحركة النقابية الوطنية والعالمية

هذه السلسلة من المقالات هي محاولة للتصدي لبعض المفاهيم الخاطئة حول العمل النقابي وطبيعته، طرائق عمله وأدواته. وتجدر الإشارة هنا الي أن هذه المفاهيم الخاطئة هي منتشرة وسط فئات واسعة من المهتمين بالشأن النقابي يميناً ويساراً.

اثار انتباهي الي الحاجة لكتابة هذه السلسلة اطلاعي على ورقة العمل الصادرة من مكتب الأنشطة العمالية بمنظمة العمل الدولية بعنوان النقابات العمالية في الميزان والتي صدرت في العام ٢٠١٩م.

في هذه الورقة يتناول كاتبها جيل فيسار التحولات العميقة التي طرأت على سوق العمل مع بدايات القرن الواحد والعشرين وتنامي العمل غير القياسي والمرن على حساب الوظائف المستقرة، والتغيرات الناجمة عن هذا التحول علي مستوي شروط العمل وتقليص حقوق النقابات مما أدي في النهاية إلى انخفاض معدلات إنشاء النقابات في معظم الدول وانحسار اعداد العاملين المنضمين الي نقابات.

كذلك حددت الورقة أربعة سيناريوهات لمستقبل العمل النقابي في العالم إذا ما استمرت الأوضاع على هذه الوتيرة هي:

  1. تهميش دور النقابات من خلال استمرار انخفاض معدلات الانضمام للنقابات نتيجة لعدم قدرة النقابات الحالية علي استيعاب المتغيرات التي طرأت علي سوق العمل.
  2. حدوث انقسام عميق وانشطار العمل النقابي نتيجة لاستمرار النقابات التقليدية في الدفاع عن حقوق أعضائها علي حساب قوي العمل الجديدة والتي نتجت عن المتغيرات الحديثة في سوق العمل.
  3. استبدال النقابات العمالية بإشكال اخري من الحماية الاجتماعية التي يقدمها أصحاب العمل أو الدول أو منظمات دولية وسيطة أو حتى منظمات غير حكومية.
  4. تمكن النقابات من بناء وتعزيز التحالفات مع قوي العمل الجديدة التي نتجت عن التحولات في سوق العمل واستطاعتها فرض نفسها كلاعب رئيس في تشكيل والدفاع عن حقوق قوي العمل الحديثة في ظل سوق عمل غير مستقر يسيطر عليه الاقتصاد الرقمي.

في تقديري المتواضع انه وبعد مرور خمس سنوات علي هذه الورقة وظهور جائحة كورونا التي خلقت أكبر سوق للعمل غير المنظم وللاقتصاد الرقمي عبر التاريخ البشري فانه يمكن دمج السيناريوهات الثلاث الاولي في سيناريو واحد، فحدوث الانقسام وغياب أي شكل من أشكال التنسيق أو العمل المشترك بين قواعد العاملين في قطاعي العمل المنظم والعمل غير المنظم سوف يؤدي حتماً الي انحسار نفوذ النقابات وتهميشها مما سيفتح الباب امام نجاح مساعي قوي السوق الرأسمالية من اختراقها وخلق اشكال بديلة تعمل علي افراغ العمل النقابي من طابعه الحقوقي المطلبي الي مجرد جماعة ضغط تعتمد أسلوب المناصرة في عملها وبالتالي تتحول العلاقة بين النقابة والمخدم الي سلسلة لانهائية من المفاوضات ذات الطابع الفردي ويغيب عنها مبدأ التضامن النقابي والعمل الجماعي المشترك.

بالعودة للسودان وعلى الرغم من ظروف الحرب إلا اننا نجد ان واقع العمل النقابي ليس بعيداً عن هذه التحولات، فسوق العمل غير المنظم يتوسع بمعدلات غير مسبوقة على جميع مستويات العمل الحرفية والعمالية منها أو علي صعيد الاعمال المهنية والتكنولوجية. وقد افرز هذا الواقع خصوصاً عقب جائحة كورونا أعداداً كبيرة من العاملين الذين يزاولون اعمالاً غير مستقرة ومع مخدمين متغيرين حيث سادت علاقات عمل المياومة أو العقودات قصيرة الاجل وسط القطاعات العمالية والحرفية وقسم كبير من القطاعات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والعاملين في قطاع الثروة الحيوانية وغيرها من القطاعات.

كذلك نجد انه وفي الآونة الأخيرة قد ظهر وبقوة نمط من علاقات العمل غير المستقر والمحكوم بقوانين عمل من خارج السودان، بل ويكون العاملين أنفسهم مشتتين بين عدد من الدول وينتمون لجنسيات مختلفة مما يجعل عملية تأسيس نقابة مسألة في غاية الصعوبة كما هو الحال وسط العاملين في مجال الخدمات الرقمية والصحافة الالكترونية ومقدمي خدمات الاستشارات والبحوث، وقسم كبير من العاملين في المنظمات الطوعية. وهذه حالات تحتاج الي اهتمام ودراسة من المهتمين بالشأن النقابي في السودان من أجل ابتكار خيارات وبدائل نقابية لهؤلاء حتي لا يقع النقابيون في مأزق الجمود خلف الاشكال النقابية التقليدية.

في الختام اشير الي أن هذه السلسلة من المقالات هي مجرد ابتدار لنقاش امل أن يكون هادئاً ومنفتحاً علي مختلف المدارس والاتجاهات النقابية من اجل التوصل الي صيغ مشتركة للنهوض بالحركة النقابية في هذا الظرف الصعب.

المراجع:

جيل فيسار (2019) "النقابات العمالية في الميزان" ورقة عمل صادرة عن مكتب الأنشطة العمالية التابع لمنظمة العمل الدولية (النسخة العربية). (Web PDF: 9789220349540) . النسخة متوفرة علي الرابط:

https://www.ilo.org/.../publi.../alnqabat-almalyt-fy-almyzan

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *