حوار هادئ حول المقاومة الشعبية (٧\٧)

في مقال سابق وفي سياق تعليقنا على أحداث قرية التكينة تحدثنا عن أن المحتل دائماً ما يعتقد أن في مقدوره وقف مقاومة السكان المحليين للمحتل والتصدي للانتهاكات الناجمة عنه بالمزيد من العنف واستخدام القوة، وأكدنا انه كلما ازداد عنف المحتل أشتد عود المقاومة وتطورت اساليبها.

في هذا المقال نود في البدء أن نترحم على جميع شهداء قرية ود النورة ونشاطرهم العزاء في مصابهم الجلل وفقدهم الكبير، كما نعبر عن إدانتنا لميليشيا الدعم السريع فهي مسؤولة عما حدث مهما كانت مبرراتها ذلك أنها القوة المحتلة والمسيطرة على الأرض. كذلك نود أن نستعرض بعض الدروس التي تعلمناها من حادثتي التكينة وود النورة والتي يمكن تلخيصها في الاتي:

أولاً:

سوف لن تتوقف جرائم الدعم السريع ونهبه للمواطنين وانتهاكه لحقوقهم، والسبب وراء ذلك أنه من الواضح أن ميليشيا الدعم السريع تعاني من نقص كبير في الامداد خصوصاً على مستوي المركبات والوقود والمواد الغذائية، وأنهم أصبحوا يعتمدون على الاحتياطي الموجود داخل قرى الجزيرة لسد النقص لديهم.

في تقديري هم يحاولون معالجة هذا النقص بتأمين خطوط إمداد عبر ولاية النيل الأبيض أو منطقة جبل أولياء، ولكن ونسبة للخلل الظاهر في سلسلة القيادة وفقدان القيادة والسيطرة على القوات في الأرض لا اعتقد ان الميليشيا سوف تنجح في هذا المسعي وسوف تستمر في الاعتماد علي المواطنين سد هذا النقص في المركبات والوقود والغذاء.

للأسف علينا في الجزيرة الاستعداد والتحضير لمعركة نفس طويل ضد ميليشيا الدعم السريع وعزل المتعاونين معها اجتماعياً – ليس علي مستوي قيادة هذه المليشيا فقط بل حتي علي المستويات القاعدية – علي مستوى المتعاونين معها داخل المدن والقري فهؤلاء هم مصدر المعلومات التي تتحرك علي ضوئها الميليشيا في استهدافهم ونهبهم للقري.

ثانياً:

ليست ثمة قوات مسلحة يمكن الاعتماد عليها في الدفاع عن المواطنين، فسياسة القوات المسلحة هي استخدام السكان المحليين في حربها ضد ميليشيا الدعم السريع، وهناك فرق كبير على المستوي الاستراتيجي والعملياتي بين الدفاع عن السكان المحليين والاعتماد على السكان المحليين في الحرب. الجيش يريد السكان المحليين مقاتلين بالإنابة عنه في الصفوف الأمامية لذلك هو بفتح المعسكرات ويسلح السكان بأنواع معينة من السلاح الخفيف الذي لا يحسم معركة. أما إذا أراد الجيش حقاً مساعدة السكان على الدفاع عن أنفسهم فهناك اشكال تدريب وتسليح مختلفة جدا عما يقوم به الجيش حالياً. لم يسلح الجيش العراقي عقب سقوط بغداد في العام 2005م المواطنين العراقيين بالبندقية الكلاشنكوف كما لم يفعل ذلك حزب الله في جنوب لبنان.

إن اعتماد مواطن الجزيرة علي الجيش في الدفاع عن نفسه وعرضه وممتلكاته سوف لن يساعد إن لم يضر بمجهوداته. وبالتالي فعلينا الاعتماد على أنفسنا والعمل بعيداً عن أي طرف من أطراف الحرب.

ثالثاً:

إن أهم درس مستفاد من حادثتي التكينة وود النورة هي خطورة السماح لمتحركات ميليشيا الدعم السريع بالوصول الي القري والمدن، الي جانب سهولة وسلاسة حركته داخل الولاية.

إن من أعظم نجاحات المقاومة العراقية ضد جيش الاحتلال الأمريكي تمثلت في نجاحهم في جعل تحركات الجيش الامريكي عملية باهظة التكلفة وذلك باستهداف مركبات الجيش الامريكي وجنوده أثناء تحركاتهم. هذا الوضع حول احتلال العراق الي عملية باهظة التكلفة من الناحيتين البشرية والمالية، وكادت المقاومة أن تنجح في طرد الجيش الامريكي بذات السيناريو الذي تم في فيتنام وافغانستان لولا تمكن الاستخبارات الامريكية مسنودة بحلفائها في اجهزة الاستخبارات الغربية الأخرى من استخدام عناصر القاعدة وداعش لتصفية المقاومة ضد المحتل الامريكي البريطاني وتحويل مسارها لتتجه الي صدر الشعب العراقي نفسه بأثارة النعرات الطائفية والدينية تحت شعارات نصرة الشريعة والخلافة الاسلامية. وهذا هو ذات الدور الذي تقوم به عناصر الحركة الاسلامية اليوم تحت شعار الاستنفار الذي يعمل على تغذية الانقسامات الاثنية والقبلية ويثير الغبائن والاحقاد والنعرات الجهوية.

علينا وتعطيل تحركات الميليشيا داخل ولاية الجزيرة الي الحد الأقصى وذلك بوضع العوائق والشراك الطبيعية ونصب الكمائن للمتحركات بما يقلل الخسائر البشرية وسط المواطنين. وللقيام بذلك على مواطني الجزيرة الشروع في بناء شبكة معلومات فعالة تعمل على رصد تحركات هذه القوات ودراسة انماط هذه الحركة. كما علينا عزل عناصر الحركة الاسلامية والتصدي لدعواتها المسمومة حتى لا يتم وأد المقاومة الشعبية في مهدها.

رابعاَ:

أثبتت احداث التكينة وود النورة أن المواجهة المباشرة والالتحام في معركة تقليدية ضد أفراد الميلشيا هو أمر غير مفيد ويؤدي الي خسائر فادحة في الأرواح، فمواطن الجزيرة لا قبل به بمستوي التسليح الذي تتمتع به هذه الميليشيا والذي هو في كثير من الأحيان يتفوق على تسليح الجيش نفسه، وأذكر هنا أن المقاومة الجزائرية نجحت لأنها كانت تتجنب الالتحام في معارك مباشرة مع الجيش الفرنسي.

سوف ينتصر مواطن الجزيرة متي ما تجنب الالتحام في معارك مباشرة مع ميليشيا الدعم السريع واعتمد على أسلوب الضربات الخاطفة على الطرق وأثناء حركة عناصر الميليشيا بين القري لجعل عملية الوصول الي مدن وقري الجزيرة ليست نزهة، بل عملية صعبة مكلفة ومخيفة لمقاتلي الميليشيا.

علينا تجنب المعارك المباشرة حتى وإن سعت لها عناصر الميليشيا واعتماد أسلوب الكر والفر والضربات الخاطفة وحرب العصابات، على الطريق وقبل وصول عناصر الميليشيا للمدن والقري فتلك هي الوسيلة المثلي للدفاع عن النفس ضد عناصر هذه الميليشيا المجرمة أو أي طرف اخر من أطراف الحرب.

ختاماً أود التأكيد على مشروعية حق الدفاع عن النفس والمقاومة الشعبية وهي عمل سياسي جماهيري قاعدي قبل أن تكون نشاطاً عسكرياً. وأشدد على الطابع الوطني لهذا النشاط المتجاوز لاي بعد جهوي أو عرقي.

 

شارك بتعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *